حامد كرازاي: زعيم لم يقدر حق قدره

د. كينيث كاتزمان: حامد كرازاي.. زعيم لم يقدر حق قدره

  • 13 مايو 2008

يتعرض الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لانتقادات لاذعة كثيرة من الصحافة الغربية التي تصفه بالقائد الضعيف، وترى أنه أقل حتى من "عمدة كابول"، متهمة إياه بالتغاضي عن الفساد في حكومته، وغض الطرف عن تورط بعض أفراد عائلته في تجارة المخدرات. صحيح أن أفغانستان لا تزال دولة ناشئة بحكومة ضعيفة نسبياً، لكن إلقاء نظرة أكثر تمعناً على رئاسة كرزاي تظهر لنا قيادة بارعة نجحت في الحفاظ على وحدة الحكومة الوطنية وسط اقتتال حزبي ومذهبي حاد، وفي تهميش رجال أقوياء إقليمياً، وفي جذب استثمارات أجنبية كبيرة، وإخراج أعداد كبيرة من مقاتلي حركة طالبان من ميدان المعركة من دون إطلاق رصاصة واحدة، كما وقف بجانب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وحلف الناتو ضد عدو يأبى إلقاء السلاح هو حركة طالبان، لكنه تعامل في الوقت نفسه مع خصوم آخرين من خلال التسويات والمفاوضات، ونجح إلى حد كبير في تحييدهم واستمالتهم لصفه داخل النظام، بدون أن يلجأ إلى استخدام أي شكل من أشكال العنف ضدهم.

لقد كان تحجيم بعض الرجال الأقوياء إقليمياً وعدد من الميليشيات المحلية، أو من يشار إليهم بمسمى "أمراء الحرب"، من أهم الإنجازات التي تحققت في ولاية كرزاي حتى هذه اللحظة؛ فحتى وقت متأخر من عام 2004، كانت أغلب القيادات الإقليمية ترفض دفع العوائد الجمركية المكتسبة من التجارة عبر الحدود إلى الحكومة المركزية، غير أن ذلك الوضع لم يعد قائماً اليوم، كما قام اثنان من أقوى هذه القيادات الإقليمية بتسليم مواقعهم في كابول للحكومة، وتم دمج واستيعاب عدد آخر منهم في الحكومة؛ فقد تم عزل حاكم هيرات، إسماعيل خان، من منصبه في سبتمبر/أيلول 2004 ثم تم تعيينه في وقت لاحق وزيراً للمياه والطاقة. وفي أبريل/نيسان 2005، قام كرزاي بتعيين القائد الأوزبكي، عبد الرشيد دوستم، في منصب المستشار العسكري الأعلى، بعدما "استقال" من رئاسة حزب "جونبشي ميلي إسلامي" الذي يمثل مجموعة الأوزبك العرقية ومقره أقاليم بالخ وجوذيان.

وثمة شخصية رئيسية أخرى تم استقطابها، هي وزير الدفاع الأسبق والقائد العسكري في كتلة تحالف الشمال، محمد فهيم، الذي تم تعيينه في المجلس الأعلى للبرلمان الأفغاني (مجلس الشيوخ) عام 2005، وذلك في إطار الجهود المستمرة المبذولة من جانب كرزاي لإحباط أي تحدٍ مسلح لحكمه من قبل قوات تحالف الشمال. ومنذ ذلك الحين أصبح فهيم يشرف بنفسه على تسليم الأسلحة الثقيلة الموجودة بحوزة تحالف الشمال (منها أربعة صواريخ سكود) إلى قوات الأمم المتحدة والقوات الأفغانية. وفي يوليو/تموز 2004 قام كرزاي باستقطاب شخصية كاريزمية أخرى من التحالف الشمالي، وهو عطية محمد نور، الذي انتقل من قيادة ميليشيا مسلحة في منطقة مزار الشريف إلى منصب حاكم لإقليم بلخ، رغم كل ما يقال حول موقفه الرافض لفرض سيطرة الحكومة المركزية على هذا الإقليم.

وقد كان كرزاي على خلاف سياسي مع ثلاث شخصيات رئيسية أخرى في تحالف الشمال، لكنه لجأ إلى التفاوض مع اثنين منهم، وأصبحوا الآن من رجال البرلمان الأقوياء، وهم يونس قانوني، المتحدث باسم المجلس الأدنى للبرلمان (مجلس الشعب)، وبرهان الدين رباني، "السياسي المحنك" في التحالف. كما عقد لقاءات عدة مع ثالثهم، وهو الدكتور عبد الله عبد الله، وزير الخارجية السابق، الذي كان كرزاي قد عزله في عام 2006، ويقال إنه يحاول إغراءه حالياً للعودة مجدداً إلى الحكومة. كما أقر الرئيس الأفغاني بعدد من نقاط الضعف والقصور التي أدت إلى تأخير بسط سلطة الحكومة على كامل التراب الأفغاني.

وفي مبادرة مهمة منه لتحسين أداء الإدارة المحلية، قام كرزاي في أكتوبر/تشرين الأول 2007 بتشكيل "مديرية الحكم المحلي المستقلة" برئاسة جيلاني بوبال، وهي تتبع مكتب الرئاسة مباشرة. وتمثل هذه المبادرة محاولة جادة لتأسيس آلية أكثر تنظيماً وفاعلية في انتقاء الحكام الأكفاء عبر تحويل عملية الفرز والاختيار بعيداً عن أيدي وزارة الداخلية. كما تقوم هذه المديرية أيضاً باختيار رؤساء الشرطة وموظفين محليين آخرين، وقد بدأت بالفعل في حالات غير قليلة بإبعاد المسؤولين المحليين المشتبه بتورطهم في تهم تتعلق بالفساد.

ويمثل تشكيل هذه المديرية محاولة من جانب كرزاي لاستكمال جهوده المبذولة منذ عام 2005 لتعيين عدد من التكنوقراط صغار السن نسبياً في مناصب الحكام في بعض الأقاليم الرئيسية، ومن هؤلاء حاكم قندهار أسد الله خالد، وحاكم باكتيكا محمد أكرم خابيلواك، وحاكم خوست أرسلان جمال، الذي يقول القادة العسكريون الأمريكيون إنه لعب دوراً رئيسياً فيما أحرز من تقدم في هذا الإقليم. كما قام كرزاي في مارس/آذار 2008  بعزل حاكم هلمند أسد الله وفاء، الذي اعتبر ضعيفاً، وحل محله غولاب مانجال، الذي يُعتبر إدارياً مقتدراً.

ومن أهم المبادرات التي تجسد أسلوب كرزاي كرجل يلجأ إلى الإقناع والتفاوض أكثر منه إلى القوة والتشدد، دعوته إلى تشكيل "لجنة السلم والمصالحة"، برئاسة المتحدث باسم مجلس البرلمان الأعلى والفقيه الإسلامي البارز صبغة الله مجددي. فقد عملت هذه اللجنة على تحقيق المصالحة مع الراغبين من حركة طالبان في وقف القتال ضد الحكومة وإعادة دمجهم في الحياة السياسية، وهو الأمر الذي أدى إلى استسلام وإعادة دمج أعداد كبيرة من مقاتلي طالبان في الحياة العامة بفضل جهود تلك اللجنة التي لم تتجاوز بعد عامها الرابع.

كما أجرى كرزاي مفاوضات غير مباشرة مع قيادات أخرى من حركة طالبان ومن ميليشيات مسلحة أخرى في محاولة لإخراجهم من ميدان القتال ضد الحكومة. وقد أثمرت رغبته هذه في تحقيق المصالحة في جعل قيادات مسلحة بارزة مثل قلب الدين حكمتيار، رئيس الحزب الإسلامي، تفكر جدياً في إنهاء القتال ضد الحكومة. ورغم ذلك، مازالت العناصر المعارضة من حركة طالبان قادرة على تجنيد مزيد من العناصر الجديدة، ولم تسفر جهود المصالحة، حتى هذا التاريخ، عن نتائج حقيقية وملموسة على الوضع القتالي، لاسيما في المناطق الجنوبية من أفغانستان.

لقد حاز كرزاي أيضاً على بعض الإطراء والإشادة لمحاولاته بناء أفغانستان ديمقراطية تلتزم بالمعايير الدولية لممارسات حقوق الإنسان، ويُفترض أنه قادر على حشد التأييد للشعب الأفغاني. وهذا ينسجم تماماً مع أسلوبه في القيادة، الذي يركز على تشجيع التقدم التدريجي، وفي الوقت نفسه تهدئة مخاوف المحافظين الإسلاميين وغيرهم من التقليديين ممن لا يزالون يحتفظون بنفوذ قوي في أفغانستان، وتنعكس وجهات نظرهم بوضوح في "مجلس العلماء"، الذي يعد هيئة استشارية قوية ويميل إلى معارضة القيم والتأثيرات ذات الطابع الغربي.

لقد ذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول ممارسات حقوق الإنسان لعام 2007 (الصادر في 11 مارس 2008) أن سجل حقوق الإنسان في أفغانستان أصبح "ضعيفاً"، وعزا هذا الوضع بالدرجة الأولى إلى ضعف الحكومة وانتشار الفساد والاتجار في المخدرات وتركة عقود زمنية طويلة من الصراع. ولكن من الجهة الأخرى يتفق جميع المراقبين تقريباً على أن الأفغانيين الآن ينعمون بقسط أكبر من الحرية مقارنة بعهد حكم طالبان؛ فالصحافة تتمتع بحرية نسبية، وتستطيع الجماعات والأحزاب السياسية الأفغانية الاجتماع وتنظيم أنفسها بكل حرية. كما افتتحت منذ نهاية عهد طالبان ما يربو على 40 محطة إذاعية خاصة، وسبع شبكات تلفزيونية، ونحو 350 صحيفة مستقلة.

وفي إطار الجدل الدائر حول القانون الجديد للصحافة، صدق مجلسا البرلمان على نسخة مشتركة من هذا القانون، غير أن كرزاي رفض التوقيع على هذه النسخة على أساس أنها لا تعطي الحكومة حقها المشروع في السيطرة على وسائل الإعلام الخاصة. ولكن حتى في غياب هذا القانون، فإن السياسة الإعلامية في أفغانستان تبقى محافظة إلى حد كبير؛ ففي أبريل/نيسان 2008 حظرت وزارة المعلومات والثقافة عرض خمسة مسلسلات من إنتاج الهند باعتبارها تشكل خطراً كبيراً على الدين والثقافة في أفغانستان. وقد تزامن هذا التحرك مع تحرك آخر من جانب الأعضاء المحافظين في البرلمان لتمرير تشريع يحظر الموسيقى الصاخبة والاختلاط بين الرجال والنساء في الأماكن العامة وألعاب الفيديو وغيرها من الأنماط السلوكية الشائعة في الغرب. ووفقاً لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان، فإن الحكومة الأفغانية تعمل على النهوض بالمرأة، رغم أن انتهاكات كثيرة، مثل الحرمان من فرص التعليم والعمل، لا تزال مستمرة، وهو ما يعود بالدرجة الأولى إلى قوة التقاليد المحافظة في أفغانستان.

خلاصة القول، إن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي يؤسس لنموذج جديد للحكم الوطني في أفغانستان في ظل ظروف صعبة، وفي ظل انتشار نحو 50.000 جندي من القوات الأجنبية في بلاده. ولقد صرح بأنه سيسعى إلى إعادة ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2009، ويشير ما يتوافر من استطلاعات للرأي إلى أن أغلبية كبيرة من الرأي العام الأفغاني تؤيد أسلوبه في القيادة وتقدر له إنجازاته، وتعلق الأمل في الوقت نفسه على أن يبذل المزيد من الجهد لتحسين الحياة اليومية للمواطنين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات