حالة تنظيم "القاعدة

د. كينيث كاتزمان: حالة تنظيم القاعدة

  • 25 أكتوبر 2004

بينت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن تنظيم "القاعدة" بات يشكل تهديداً يتجاوز الدبلوماسيين الأمريكيين، ويتخطى القوات الأمريكية والحلفاء في الخارج، لينال من الأرض الأمريكية نفسها. صحيح أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة قد أنزلت الهزيمة بتنظيم "القاعدة"، وبحركة "طالبان"، التي كانت تستضيفه في أفغانستان، بيد أن أسامة بن لادن، مؤسس التنظيم، وأيمن الظواهري، الذي يتولى الاستراتيجيات السياسية، ما زالا طليقين حتى الآن. والأسئلة الرئيسة المطروحة أمام الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج هي: إلى أي حد يحتفظ تنظيم "القاعدة" بقوته، وكيف تغيرت أهدافه، إن كان ثمة تغير، بعد أن تم عزله عن أفغانستان؟

بغية الوصول إلى فهم واضح للتهديد الذي يشكله تنظيم "القاعدة" حالياً، فإننا بحاجة لاستيعاب التاريخ الحديث لهذا التنظيم. فبعد تأسيسه في أفغانستان في العام 1989، تطور تنظيم "القاعدة" من كونه مجرد خصم للحكومات العربية المؤيدة للغرب، يهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ليشكل تهديداً عالمياً للأمن القومي الأمريكي. وكان من الواضح أن التنظيم عبارة عن ائتلاف لجماعات إسلامية متطرفة تعمل في العالم الإسلامي، عبر خلايا وشركاء في أكثر من 70 دولة، طبقاً لتصريحات مسؤولين أمريكيين، وأن هناك ما يقدر بنحو عشرين ألف مقاتل، تلقوا من خلاله تدريباً على الأعمال الإرهابية.

قبل الحادي عشر من سبتمبر، كانت أصابع الاتهام تشير إلى مسؤولية تنظيم "القاعدة" عن هجمات نفذت منذ العام 1992 ضد مصالح أمريكية؛ بدأت بقصف فندق في اليمن، حيث كانت القوات الأمريكية تنتظر أن يتم نشرها في الصومال. وطبقاً للتقارير فقد قام التنظيم بتسليح الجماعات الصومالية التي حاربت قوات الولايات المتحدة في الصومال في أكتوبر/تشرين الأول من العام 1993. كما نُسب إلى تنظيم "القاعدة" أيضاً المسؤولية عن قصف مرفق عسكري استشاري أمريكي في الرياض، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1995، أسفر حينذاك عن مصرع خمسة أمريكيين، وعن تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا في أغسطس/آب من العام 1998، وكذلك عن هجوم أكتوبر/تشرين الأول من العام 2000، الذي استهدف المدمرة كول على شواطئ ميناء عدن في اليمن. وتشير المعلومات المتوافرة بخصوص تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك، في فبراير/شباط 1993، وخاصة تلك التي تخص رمزي أحمد يوسف، المسؤول الرئيس عن صناعة القنابل، إلى احتمال تورط تنظيم "القاعدة" في تلك الهجمة أيضاً. وجاء تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر ليبين أن من المحتمل أيضاً أن يكون تنظيم "القاعدة" متورطاً في تفجير أبراج الخبر، في يونيو/حزيران 1996، في شرق المملكة العربية السعودية، على الرغم من أن معظم المحققين كانوا قد نسبوا ذلك الهجوم إلى "شيعة سعوديين يتعاونون مع عملاء إيرانيين".

وعلى الرغم من المحاولات المتكررة التي بذلتها الولايات المتحدة في الضغط على حكومة "طالبان" الأفغانية لترحيل زعماء "القاعدة" قبل الحادي عشر من سبتمبر، فإن تلك المجهودات كانت ذات طابع دبلوماسي غالباً، ولم يحالفها النجاح.

لكن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر في أفغانستان مكنتها من عزل نظام حركة "طالبان" هناك، واستبدال حكومة معتدلة مؤيدة للولايات المتحدة به. وبقي حوالي 17 ألف جندي أمريكي في أفغانستان، يبحثون عما تبقى من مقاتلي تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان". ومن بين 37 شخصاً يعتبرون الأكثر فاعلية لدى تنظيم "القاعدة"، تم قتل أو اعتقال قرابة ثلاثة أرباعهم، إما خلال حرب أفغانستان أو بعدها. من بين هؤلاء محمد عاطف، الرجل الثالث في التنظيم، وخالد شيخ محمد، العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والقائد العسكري أبو زبيدة، ضابط التجنيد الرئيس، وحنبلي، زعيم "الجماعة الإسلامية"، وهي الفرع المتعاون مع تنظيم "القاعدة" في جنوب شرق آسيا، ورمزي بن الشيبة، المتهم بالتدبير لهجمات الحادي عشر من سبتمبر. كما جرى، منذ تلك الهجمات، أسر أو اعتقال نحو 3000 من المشتبه بانتمائهم لتنظيم "القاعدة"، في حوالي 90 دولة.

وعلاوة على العمليات العسكرية، اتخذ الصراع ضد تنظيم "القاعدة" ما بعد 11 سبتمبر طابعاً عالمياً ومتعدد الوجوه؛ تضمن تحركات دبلوماسية وتدابير مالية أيضاً. وفيما يقول مسؤولون أمريكيون إن التنظيم أُضعف بدرجة كبيرة، يفند آخرون ذلك الرأي، مشيرين إلى أن التنظيم وفروعه يتأقلم للتصدي لمحاولات القضاء عليه، وأنه ما زال يشكل خطراً إرهابياً كبيراً، باستمراره في تنفيذ هجمات والتخطيط لأعمال إرهابية جديدة.

وتخشى بعض الحكومات الإقليمية، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، من أن أعضاء كثيرين في "القاعدة" عادوا أو يحاولون العودة إلى بلادهم الأصلية، للقيام بنشاطات إسلامية مضادة للأنظمة ومعادية للغرب في تلك الدول.

تبدو التطورات الأخيرة مساندة لرؤية هؤلاء الذين يعتقدون أن تنظيم "القاعدة" و فروعه ما زال نشطاً، رغم ترجيح أنه من المحتمل أن العمليات تجرى من قبل أفراد قياديين، ليسوا بالضرورة على اتصال مع ابن لادن أو الظواهري، أو يعملون تحت إشراف مباشر منهما. أحد هؤلاء القياديين الأفراد، والذي يشكل طبقًا للتقارير تحالفاً رسمياً مع منظمة القاعدة (كان يبدو في السابق تحالفاً غير رسمي)، هو أبو مصعب الزرقاوي. وهو أردني الجنسية، يبلغ من العمر 38 عاماً؛ تشير تقارير إلى أنه قاتّل في حرب أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي، ثم هرب من حرب أفغانستان 2001، وذهب إلى شمال العراق، حيث أدار معسكراً للتدريب جرى احتلاله خلال حرب العراق 2003. يقود الزرقاوي الآن جماعة متمردة في العراق، مكونة من العرب غير العراقيين، وتسمى "التوحيد والجهاد"، ويعتقد بأنها مسؤولة عن عمليات انتحارية عديدة ضد شخصيات سياسية وأمنية عراقية، وضد منشآت أمريكية وعراقية وتابعة للأمم المتحدة، وعن عمليات خطف موظفي إعادة الإعمار المدنيين. زادت هذه الجماعة من تعقيد المجهودات الأمريكية الرامية لاستقرار العراق، على الرغم من أنه ليس هناك إشارات متماسكة تدل على أن حركة الزرقاوي تحاول القيام بعمليات إرهابية في الولايات المتحدة نفسها.

لعل أكبر دليل قوي على أن تنظيم "القاعدة" ما زال يشكل خطراً كبيراً هو هجماته المستمرة، والتي تبدو مركزة في العالم الإسلامي، لتوحي أن التنظيم والمتعاونين معه يستشعرون صعوبة اختراق دفاعات ما بعد 11 سبتمبر الأمريكية، خصوصاً في ظل حال التأهب لدى الجمهور الأمريكي. وكذلك فإن التركيز الجديد في العالم الإسلامي يبين أن تنظيم "القاعدة" يشكل الآن مشكلة لأنظمة الشرق الأوسط ربما أكثر مما يمثله للولايات المتحدة.

جرى إحباط بعض الهجمات في أوروبا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن تفجيرات قطار مدريد في مارس/آذار من العام 2004، وظفت كدليل على أن تنظيم "القاعدة" قادر حتى الآن على أن يعمل هناك .كما تعزز هذا الطرح بالهجمات المنسوبة إلى تنظيم "القاعدة" وحلفائه التي حدثت مؤخراً في المملكة العربية السعودية، وفي إندونيسيا (على الرغم من اعتقال حنبلي)، وكذلك في فندق كبير في طابا (أكتوبر/تشرين الأول 2004)، على الرغم من الثقة التي يتحدث بها المسؤولون المصريون عن أنهم ألحقوا هزيمة كبرى بتنظيمي "الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" (المتعاونين مع الظواهري/القاعدة).

ثمة دليل متنام على أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية لتغيير نظام العراق لم تساعد في هزيمة تنظيم "القاعدة" والحركات الإسلامية المتطرفة الأخرى، وإنما عززت، إلى حد ما، انضمام عناصر جديدة إلى التنظيم وإلى المنظمات التي تشاركه أيديولوجيته.

ليس ثمة طرق أكيدة لإيقاع هزيمة ساحقة بتنظيم "القاعدة"، لكن حل القضايا التي تحث على الولاء له، بما فيها النزاع العربي-الإسرائيلي، والوجود الأمريكي في العراق، والنقص الكلي للتطور السياسي في العالم الإسلامي، سيكون بالتأكيد مفيداً، على الرغم من أنه لا يشكل بالضرورة حلاً كاملاً كافياً في مواجهة هذا التنظيم. وسواء ما زال ابن لادن والظواهري يمارسان السيطرة على تنظيم "القاعدة" وشركائه أم لا، فإنه يمكن الجزم بأن اعتقالهما، الذي قد يتطلب من القوات الأمريكية أن تعمل على الأراضي الباكستانية مباشرة، سيحبط هذا التنظيم في الصميم، الأمر الذي يمكن أن يجعل هزيمته قريبة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات