جيل ما بعد الثورة وتهديده للنظام الإيراني

ليلى نادر: جيل ما بعد الثورة وتهديده للنظام الإيراني

  • 17 فبراير 2009

بعد التيقن مؤخراً من خوض الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي وهو إصلاحي، الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2009، يكون السباق السياسي في إيران قد وصل إلى نقطة تحول حاسمة، ولاسيما أن هذا التحدي الإصلاحي يأتي في أكثر الأوقات سوءاً بالنسبة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد؛ الذي يتعرض لانتقادات حادة لأسلوبه في الحكم، ليس من جانب الإصلاحيين فحسب، بل من قبل فصيله السياسي، المعروف باسم "المحافظين" أيضاً. ومع ذلك، فإن الهاجس الأكبر للنظام الإيراني لا يتمثل في هذا التحدي الإصلاحي، ولا يتأتى من احتمال تعرض البلاد لهجوم عسكري تقوم به إسرائيل أو الولايات المتحدة أو كلتاهما معاً، وإنما يتمثل في إمكانية اندلاع "ثورة مخملية" أو ناعمة في إيران، وهي مسألة خطرة، يتحدث عنها النظام صراحة، في الوقت الراهن، كونها تهديداً رئيساً له. فهل هذا تهديد حقيقي أم سفسطة واضحة، ترمي إلى شيطنة منتقدي النظام الديني (نظم الملالي) في إيران؟

واقع الأمر أن الخوف من إمكانية اندلاع "ثورة مخملية" هو خوف من إطاحة النظام الديني (نظم الملالي)، وهو الأمر الذي يتم ربطه غالباً بأنشطة هدامة تُنسَب إلى قوى خارجية. وفي ظل الخبرة الإيرانية السابقة بالتدخلات الأجنبية، التي كان آخرها عام 1953، عندما دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا الانقلاب الذي أطاح حكومة محمد مصدق المنتخبة ديمقراطياً، فإنه من الإنصاف القول بأن النظام الإيراني محق، إلى حدٍّ ما، في الأسباب التي يستند إليها في شكوكه وتخوفه من التدخل الأجنبي. وفي هذا الخصوص، تتجه أصابع الاتهام عادة إلى "الشيطان الأكبر" (الولايات المتحدة) و"ألبيون الغادرة" (المملكة المتحدة). وقد تفاقمت شكوك النظام الإيراني إزاء التدخل الأجنبي العام الماضي، في ظل وجود تقارير زعمت أن الولايات المتحدة خصصت 400 مليون دولار لتوسيع عملياتها السرية داخل إيران؛ بغرض زعزعة استقرار نظامها الحاكم. وقد ورد أن من الأهداف المهمة لهذه الخطة المزعومة تمويل جماعات المعارضة الإيرانية المسلحة منها وغير المسلحة. وقد كان من تأثير هذه التقارير أنه تمّ تقييد نشاطات مجموعات مهمة من تنظيمات المجتمع المدني، التي شكلها الطلاب ونشطاء حقوق الإنسان والمدونون على شبكة الإنترنت والتجمعات السياسية؛ بعد أن وجد النظام الذريعة للانقضاض على "المتآمرين" ضد الثورة الإسلامية.

وفي الشهور الماضية، زاد حديث الحكومة عن هواجسها من وجود تهديدات لتغيير النظام. ففي منتصف يناير الماضي، أفادت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الرسمية أنه تم اكتشاف "عصابة من المخربين المرتبطين بالحكومة الأمريكية"، وأنه تم القضاء عليها (13 يناير 2009). وقد نُسِب إلى العصابة المذكورة الانخراط في محاولات "تستهدف الإطاحة بالحكومة عبر انقلاب مخملي". وفي فبراير 2009، أُعلِن عن تكليف "الباسيج"، وهي قوات المتطوعين أو ميليشيات التعبئة الأمنية التي تتبع تعليمات المرشد الأعلى للجمهورية، بمهمة التصدي لتهديدات "بانقلاب ناعم" على النظام. بيد أن النظام الحاكم لم يقدم أية تفاصيل عن طبيعة هذه التهديدات، أو الكيفية التي سيتعامل الباسيج معها؛ الأمر الذي قد يعني أن "التعبئة" الظاهرة لقوات الباسيج إنما هو تضليل معتاد من قبل النظام؛ ذلك أن الإشارات المتكررة والمتزايدة إلى احتمال اندلاع "ثورة مخملية" تتزامن مع الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو 2009، وهو ما يجعل من الأمر حيلة حكومية تهدف إلى تقويض مصداقية الأصوات المعارضة أكثر من كونه تعاطياً مع تهديد حقيقي للأمن القومي.

علاوة على ما تقدم، يرى النظام في وسائل الإعلام أداة تخريبية ماكرة، عندما تستخدمها مجموعات أو أفراد غير مرتبطين به. ففي هذه الحالة، يخشى النظام من استخدام وسائل الإعلام لتيسير الانقلاب على الحكومة. ففي نوفمبر 2008، شجبت مطبوعة "صبح الصادق" (المرتبطة بقوات الحرس الثوري الإيراني) استخدام الحكومة الأمريكية لشبكة الإنترنت كأداة لإحداث "ثورة مخملية" على النظام الإيراني. ومن المفارقة أن شجب الحرس الثوري للإنترنت كأداة للإمبريالية قد أعقب الإعلان عن أن 10 آلاف مدونة على الإنترنت سوف تطلق لتستهدف قواعد الباسيج في عموم القطر الإيراني، والبالغة 10 آلاف قاعدة. من جانب آخر، ينظر النظام الإيراني إلى شبكة "بي بي سي" الناطقة بالفارسية على أنها تهديد للأمن للقومي؛ نظراً لارتباطها المزعوم بأجهزة المخابرات البريطانية. والحق أن هذه الشبكة من شأنها أن تشكل ركيزة لا غنى عنها للإصلاحيين في السباق الانتخابي، في ظل عدم إعطاء شبكات التلفزة والإذاعة الحكومية مساحة إعلامية لكوادر المعارضة مساوية لرموز النظام.

في الحقيقة، يشهد الواقع بأن مخاوف رموز السلطة الدينية لا تكمن في الانقلاب على النظام، وإنما في ضياع نفوذ الأيديولوجية الثورية، وهي الأيديولوجية التي يبدو أنها منبتة الصلة عمن وُلِدوا بعد قيام الثورة الإسلامية في 1979 (جيل ما بعد الثورة). في هذا الصدد، فإن ما يقرب من 70% من الشعب الإيراني يُصنّف ضمن الفئة العمرية الأقل من 35 عاماً، وهي حقيقة قد يكون لها أثرها الحاسم في الانتخابات المقبلة، إذا أجريت بطريقة حرة ونزيهة. ولا يُستفاد من هذا الرأي أن الشباب الإيراني غير متدين أو غير وطني بالضرورة، لكنهم أكثر استعداداً للمشاركة في النظام السياسي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن جزءاً من تكتيكات النظام الإيراني لضمان بقائه يتمثل في عزل شعبه عن الأخبار والأفكار الواردة من مصادر أجنبية. غير أن محاولاته لحجب المعلومات، بعد التوسع في استخدام شبكة الإنترنت، تتسم بأنها خرقاء ومتخبطة. في هذا الإطار، سعى رجال الدين إلى حصر مزايا التكنولوجيا، مثل المحطات التليفزيونية الفضائية وشبكة الإنترنت، لفائدة النظام. وهذا يكشف عبثية استراتيجية متقادمة وغير ملائمة للتعاطي مع جيل خبير بأمور التكنولوجيا.

وأخيراً، فإن التذرع بتهديد "الثورة المخملية" للانقضاض على الأصوات المعارضة هو أمر معتاد، ولاسيما في أوقات الاضطراب أو عدم الاستقرار السياسي، لكنه لن يبقى أداة متاحة في يد النظام مستقبلاً. ويرجع السبب في ذلك إلى أن إيران حالياً بصدد إمكانية بناء علاقاتها مع الولايات المتحدة لتخليص نفسها من العزلة السياسية التي تقوض دورها كقوة إقليمية في الوقت الراهن، وهو ما يتطلب من النظام الإيراني إيجاد سبيل جديد للتعامل مع "التهديدات" المحدقة به. فإدانة تنظيمات المجتمع المدني ومجموعات المعارضة بحجة أنها جواسيس لجهات خارجية لا يتوافق مع سياسة المكاشفة التي لا مفر منها لدى إنهاء العزلة السياسية والاجتماعية. ولن يكون من السهل على رجال الدين تجاهل الخطاب الطنان الذي وظفوه، على مدار العقود الثلاثة الماضية، لوصف النفوذ المعادي للشيطان الأكبر وأتباعه. لكن إنقاذ الثورة الإسلامية من التداعي المحتوم، التي تحل عندما يصر القائمون على السلطة على فرض الماضي على الحاضر، سيجعل رجال الدين مضطرين إلى تقبل الجيل الجديد، وما يمثله من اتجاهات وأفكار بدلاً من التفنن في إيجاد طرق جديدة لشيطنته.

وبالجملة، فإن السؤال الذي يجدر بالنظام الإيراني أن يتوجه به لنفسه، هو: ماذا سيحدث لتراث الثورة الإسلامية إذا أخفق في إدراك الأهمية الماسة لتجديد منظومتها الداخلية عبر الانفتاح على شعبه؟ لا شك في أن نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون حاسمة في تحديد إمكانية حدوث عملية التجديد تلك من عدمها.

Share