جولة جديدة من الحرب على الإرهاب

  • 26 يناير 2010

هناك الكثير من المؤشّرات التي تؤكد أن العالم يخوض جولة جديدة من الحرب على الإرهاب لا تقل صعوبة وتعقيداً عن تلك التي بدأت منذ أكثر من ثماني سنوات إثر اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. أول هذه المؤشرات أن قوى الإرهاب، وعلى رأسها تنظيم "القاعدة"، تحاول أن تكون أكثر جرأةً وطموحاً في تنفيذ عملياتها بعد سنوات من محاولة التخفّي وامتصاص الضربات، وهذا ما يتضح بشكل جليّ من بعض عملياتها النوعية مثل محاولة تفجير الطائرة الأمريكيّة في شهر ديسمبر الماضي، والتفجير داخل مقر "وكالة الاستخبارات الأمريكية" في أفغانستان، وغير ذلك من عمليات فشل بعضها، ونُفّذ بعضها الآخر، وهذا يعني أن تنظيم "القاعدة" ربما يستشعر أن لديه هامشاً أوسع للحركة والمناورة من خلال انتشار خلاياه وفروعه في مناطق مختلفة من العالم. وهذا يمثّل تحدياً كبيراً أمام أجهزة الأمن والاستخبارات في ملاحقة هذه الخلايا والأفرع غير المعروفة لها من ناحية، وغير المرتبطة تنظيمياً من ناحية أخرى، حيث تحوّلت "القاعدة" إلى فكرة أكثر منها تنظيماً له هياكله الواضحة وأماكنه المحدّدة التي يمكن ضربها. ثاني هذه المؤشرات هو ما ظهر خلال الفترة الماضية من قدرة لـ "القاعدة" على تنويع أساليبها وتكتيكاتها، سواء من خلال استخدام "الإنترنت"، أو التوسّع في الاعتماد على النساء، أو ذوي الملامح غير العربيّة، أو الاندماج بين الخلايا، وغيرها من الأساليب التي استطاعت من خلالها الالتفاف على إجراءات الأمن الدقيقة في المواقع الحيويّة والمهمة. ثالث المؤشرات هو تصاعد نبرة التحدّي التي أصبحت تسم خطاب تنظيم "القاعدة"، ولعل التسجيل الصوتي الأخير المنسوب إلى زعيم التنظيم، أسامة بن لادن، يؤكّد ذلك بجلاء، خاصة مع تهديده بالمزيد من العمليات الإرهابية خلال الفترة المقبلة. المؤشّر الرابع هو محدودية النتائج على صعيد مواجهة قوى الإرهاب وعناصره في جبهاته الأخطر، خاصة في أفغانستان وباكستان والصومال، والتقارير التي تتحدث عن امتلاك تنظيم "القاعدة" مرونة كبيرة في التحرك عبر مواقع مختلفة، مستثمراً حالات عدم الاستقرار في بعض الدول، والأوضاع الجغرافيّة والاقتصاديّة في دول أخرى.

هذه الجولة الجديدة من الحرب العالمية على الإرهاب تحتاج إلى أمور عدّة، أولها الاستفادة من التجارب التي تقدمها الجولات السابقة منذ عام 2001 لتعرّف جوانب النجاح والإخفاق فيها. ثانيها التركيز على استراتيجيات تتسم بالشمول والتكامل، بحيث تسير مساعدات التنمية، وتسوية الأزمات والمشكلات السياسية، وحرب الأفكار جنباً إلى جنب مع المعالجات الأمنيّة. ثالثها إعادة الزخم مرة أخرى إلى مسيرة الحوار بين الأديان والحضارات، التي كانت قد انطلقت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن الاهتمام بها تراجع نسبياً مع مرور الوقت ما أتاح الفرصة لتنظيم "القاعدة" وتيارات التطرّف لمحاولة الإمساك مجدداً بزمام المبادرة، وتأجيج الاحتقان، الذي يحقق أهداف التنظيم في الوقيعة بين الإسلام والغرب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات