"جولة الدّوحة" بين الآمال والانتكاسات

  • 25 مارس 2012

تأتي “جولة الدوحة” في الترتيب الثامن بين جولات المفاوضات بشأن تحرير التجارة العالميّة، التي بدأت عام 1947 مع بداية ظهور “الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية”، المعروفة اختصاراً باسم “الجات”، التي أنشئت على أسُسِها “منظّمة التجارة العالمية” في مطلع عام 1994. وبدأت “جولة الدوحة” في عام 2001، وبرغم أنه كان مقرّراً لها أن تنتهي في غضون عامين، فإن تصاعد الخلافات بين الدول الأعضاء جعلها تمتدّ إلى ما يزيد على عقد من الزمان، ولم تنتهِ حتى الآن.

ومنذ أن بدأت مفاوضات “جولة الدوحة” ظهرت خلافات جوهريّة وعميقة بين الأعضاء الذين انقسموا إلى جبهتين، إحداهما تضم الدول المتقدّمة بزعامة الولايات المتحدة، والأخرى تضم الدول النامية بزعامة الصين والهند، وتمسّكت كل جبهة بموقفها، فامتنعت الدول المتقدمة عن تقديم أي تنازلات في ما يتعلّق بخفض الدعم المقدّم إلى مزارعيها، الذي يمنحهم قدرات تنافسية مرتفعة مقابل مزارعي الدول النامية، واستمرت هذه الدول، برغم ذلك، في مطالبة الدول النامية بفتح أسواقها أمام منتجاتها الصناعيّة، وعلى الجانب الآخر وقفت جبهة الدول النامية متمسّكة بحقها في عدم خفض الضرائب على الواردات الزراعية والصناعية الآتية من الدول المتقدّمة. وتسبّب تعثر المفاوضات في تقليص الآمال والطموحات التي كانت معقودة على “جولة الدوحة” لدى انطلاقها، فبرغم أن الجولة استهدفت في بدايتها دعم الاقتصاد العالميّ عبر المضي قُدماً في تحرير التجارة العالمية، ومساعدة الدول الأقل نمواً من خلال إزالة الحواجز التجارية على منتجاتها، وخفض الدعم الزراعيّ والإجراءات الحمائية التي تقدمها الدول المتقدّمة على المستوى المحلي، إلى جانب خفض الضرائب والتعريفات الجمركية على واردات الدول النامية من السلع الصناعية، فإن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق حتى الآن، ما دفع الدول المشاركة إلى تخفيض سقف الطموحات، عبر حذف بعض الموضوعات الخلافيّة من بنود التفاوض، والتركيز على عدد أقل من البنود.

بذلك تحول الحلم المتسع، الذي راود الدول الأعضاء في بداية “جولة الدوحة”، والأهداف العديدة التي ذكرت من قبل، إلى حلم ضيق لا تتعدّى حدوده أكثر من تبنّي بعض إجراءات تسهيل حركة السلع عبر الحدود، كما جاء على لسان باسكال لامي، الأمين العام لـ “منظّمة التجارة العالمية”، مؤخراً. وإن عُدّت هذه الخطوة مبادرة لإخراج “جولة الدوحة” من المأزق، وتجنيبها خطر الفشل التام، ومن ثم تجنيب مفاوضات تحرير التجارة العالمية برمّتها خطر الانهيار، فإنه على الجانب الآخر ستبطئ هذه الخطوة من دون شكّ مسيرة تحرير التجارة العالمية لسنوات مقبلة، هذا بخلاف أنها تؤشر إلى تراجع كبير في عزيمة الدول الأعضاء ورغبتها في المضيّ قدماً على طريق تحرير التجارة.

وفي المجمل، فإن كان جزء من التعثر الذي شهدته مفاوضات “جولة الدوحة” ناتجاً من الأجواء التي أوجدتها “الأزمة الماليّة العالميّة”، فإن هذا لا ينفي أن جذور الخلافات تمتد إلى تاريخ بداية التفاوض في إطار تلك الجولة -أي قبل اندلاع الأزمة بنحو سبع سنوات كاملة- وهو ما يدفعنا إلى الحكم بأنّ تعثر هذه المفاوضات يعود إلى عيوب أصيلة في مواقف الدول الأعضاء من تحرير التجارة، وهو ما يثير التساؤلات والهواجس حول مستقبل مفاوضات التجارة العالميّة برمتها، وليس "جولة الدوحة" فقط.

Share