جهود دولة الإمارات في مكافحة غسل الأموال

جهود دولة الإمارات في مكافحة غسل الأموال

  • 13 يونيو 2004

تأتي الندوة الإقليمية حول مواجهة غسل الأموال في جنوب آسيا التي نظمها مصرف الإمارات المركزي بالتعاون مع وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرا، في إطار الاهتمام المتزايد الذي ظلت توليه الحكومة الإماراتية لمجابهة هذه الظاهرة، وإيمانا منها بأن التصدي لهذا الخطر يتطلب تعاونا دوليا صادقا، في ظل التطور الكبير والانتشار الواسع لهذه الجريمة، وتطور وسائلها وتعدد قنواتها، وارتباطها الوثيق بالأعمال الإرهابية.

بينما كانت ظاهرة غسل الأموال حتى وقت قريب تطلق فقط على عملية إضفاء الصبغة الشرعية للأموال المكتسبة من عمليات اقتصادية غير مشروعة، بدأت العديد من دول العالم، لا سيما الولايات المتحدة، وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تحديدا، تطلق المسمى نفسه على الأموال التي تستخدم في تنفيذ أعمال إرهابية، حتى لو كانت هذه الأموال من مصادر نظيفة وعبر قنوات مالية مشروعة.

وتشير مصادر البرنامج العالمي لمكافحة غسل الأموال التابع للأمم المتحدة إلى أن حجم الأموال التي يتم غسلها سنويا في دول العالم المختلفة يصل إلى نحو 500 مليار دولار، تستحوذ تجارة المخدرات على نصفها تقريبا، في حين يأتي الباقي من أنشطة إجرامية أخرى. ولكن هناك مصادر ترى أن حجم عمليات غسل الأموال حول العالم وصل في بعض السنوات إلى نحو 1500 مليار دولار، وأن البنوك الأمريكية وحدها تغسل ما يقرب من ثلث الأموال القذرة في العالم. ومع ضخامة حجم الأموال القذرة حول العالم، فإن الأموال التي يتم ضبطها من قبل الأجهزة الأمنية لا تتجاوز 500 مليون دولار، أي أقل من 0.1% من حجم الأموال المغسولة.

وما يزيد من خطورة الجريمة أن كل جهد يبذله القائمون على مكافحتها والتصدي لها، يقابله عمل مضاد يزيد من تعقيد الجريمة نفسها ويضاعف من تكاليف محاصرتها والقضاء عليها، مستفيدا في ذلك من التقدم الكبير في تقنية الاتصالات والمعلومات والذي ساعد بدوره على انتشار النقود الإلكترونية، وتزايد حجم التجارة الإلكترونية، وعولمة الخدمات المالية والمصرفية، مما أتاح لغاسلي الأموال مساحات شاسعة للعمل من خلال أنماط جديدة تشبه إلى حد كبير التعاملات المالية والتجارية المشروعة. كما استطاع غاسلو الأموال أن يجعلوا من جريمتهم صناعة متطورة ومتكاملة بتوظيفهم للعديد من الخبراء والمهنيين في مجالات المحاسبة والقانون والأنظمة الإلكترونية لمساعدتهم على ابتكار أفضل الحيل والوسائل التي تمكّنهم من إضفاء صفة الشرعية على أموالهم.

لقد أدت العديد من العوامل إلى إثارة الشكوك حول اقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعد أحداث سبتمبر 2001، والتخوف من تحولها إلى نقاط جذب رئيسة لأموال الجريمة، منها الاستقرار الاقتصادي والأمني لدول المجلس، وإمكانية التأسيس السريع للشركات، والحركة التجارية والسياحية النشطة في المنطقة، وتوافر أنظمة مالية متطورة ومتنوعة ومرتبطة بالمراكز المالية في مختلف أنحاء العالم، ووجود أعداد كبيرة من دور الصرافة الخاصة، وما تتميز به دول المجلس من بنية أساسية متطورة من مطارات ومواني وطرق، ووسائل اتصالات حديثة، وموقعها الجغرافي الذي يتوسط مناطق إنتاج المخدرات في آسيا الوسطى، حيث تنتج أفغانستان وحدها أكثر من 70% من استهلاك العالم من الأفيون، ومناطق استهلاكها في أوروبا وأمريكا الشمالية.

وانطلاقا من نتائج التحقيقات الأمريكية بشأن تمويل الأعمال الإرهابية، حاول الخبراء والمسؤولون في الولايات المتحدة والغرب عموما الربط المباشر ما بين عمليات تمويل الإرهاب ونظام "الحوالة" في دولة الإمارات العربية المتحدة. وحجتهم في ذلك أن المنظمات الإرهابية تستغل هذا النظام التقليدي الذي حملته تيارات الهجرة الآسيوية إلى الإمارات في عمليات غسل الأموال.

ومن خلال الاطلاع على العديد من المقالات والتحقيقات لخبراء ومسؤولين غربيين، يتضح أن مفهوم "الحوالة" وآلية عملها يصعب على الغربيين تفهمه. والاعتقاد السائد حتى وقت قريب جدا لدى العديد من هؤلاء هو أن "الحوالة" نظام مالي خفي يستغله تجار المخدرات والأسلحة والمجرمون والإرهابيون في معاملاتهم المالية. واعتبر بعضهم أن هذا النظام قد حول العمل المصرفي إلى ما يشبه العلاقة بين بائعي الخضار، وأن التحويل المالي يجري شفهيا عبر مكاتب خاصة، حيث يدفع المرء المبلغ إلى التاجر الذي يتصل بدوره هاتفيا بعميل له في بلد آخر ويأمره بدفع القيمة إلى المرسل إليه.

ووفقا لتقديرات الخبير المالي في وزارة المال الألمانية، جرت تحويلات مالية شفهية في كل من إيران وباكستان ودول الخليج العربية بما يقرب من 30 مليار دولار خلال النصف الثاني من حقبة التسعينيات، وأن ما يقرب من ثلث هذا المبلغ مشبوه المصدر. وهذا بدوره يؤكد جهل الغرب بالوضعية العمالية الخاصة لدول الخليج العربية، حيث تشير التقديرات إلى أن العمالة الهندية العاملة في دولة الإمارات وحدها حولت ما يزيد على 10 مليارات دولار إلى بلادها خلال تلك الفترة، وأن ما يزيد على ثلثي هذا المبلغ حولته العمالة الباكستانية في الإمارات إلى بلادها أيضا خلال الفترة نفسها، وأن أغلبية هذه المبالغ تم تحويلها عبر نظام "الحوالة" الذي أساء الغرب فهمه.

إن أغلبية التحويلات المالية التي تتم عبر سماسرة "الحوالة" في الإمارات هي مبالغ زهيدة تمثل غالبا نسبة من أجر العامل الآسيوي، وأن هؤلاء السماسرة أنفسهم ليس لديهم الإمكانات اللازمة للقيام بتحويل مبالغ مالية كبيرة بغرض غسلها كما يتخيل الغرب، وأن العميل نفسه لا يتجرأ على المجازفة باستخدام نظام يصفه الغرب بأنه يقوم على عنصر الثقة فقط في تحويل مبالغ مالية كبيرة.

إن نظام "الحوالة" في الإمارات يفرضه واقع وجود أكثر من مليوني عامل من جنسيات الدول الآسيوية الذين يحوّلون باستمرار حصة من أموالهم التي اكتسبوها بطرق مشروعة إلى ذويهم في مناطق نائية في تلك الدول تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ناهيك عن الأنظمة المصرفية. كما أن هذا النظام في الإمارات يختلف عن نظام "الحوالة" الذي حملته تيارات الهجرة الآسيوية أيضا إلى الولايات المتحدة والغرب عموما، ويستخدم في الغالب للتهرب من الضرائب، كما يستخدم لغسل الأموال القذرة.

لقد تنبهت دولة الإمارات منذ حقبة الثمانينيات إلى أن تسرب الأموال المكتسبة من مصادر غير مشروعة إلى داخل الاقتصاد القومي، بأي طريقة كانت، يؤدي إلى حدوث تشوهات كبيرة في البنية الاقتصادية للدولة، وتبديد الدخل القومي لمصلحة جهات خارجية، وإحداث خلل كبير في نمط الاستهلاك والإنفاق، وزيادة السيولة المحلية بشكل لا يتناسب مع الزيادة في السلع والخدمات، وأن تسرب الأموال القذرة إلى المجتمع يقلب ميزان البناء الاجتماعي، بصعود فئات إجرامية إلى قمة الهرم الاجتماعي. ولذلك سعت منذ ذلك الوقت إلى وضع الضوابط اللازمة للكشف عن أي عملية لغسل الأموال تجرى داخل المؤسسات المحلية، واتخاذ مجموعة من الخطوات والتشريعات في مكافحة هذه الظاهرة.

وبالإضافة إلى قانون مكافحة غسل الأموال الذي صدر مطلع عام 2002، أصدر مصرف الإمارات المركزي عددا من الإجراءات والتوجيهات تلتزم بها البنوك والمؤسسات المالية العاملة في الدولة، كما نظمت الدولة منتصف العام نفسه أول مؤتمر عالمي من نوعه بشأن نظام "الحوالة" وإعادة هيكلته بصورة تجعل من الصعب استغلاله في عمليات غسل الأموال.

وعلى الصعد الإقليمية والعالمية، وقّعت الإمارات على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التجارة غير المشروعة في المخدرات والمؤثرات العقلية في فيينا عام 1988، كما أنها التزمت بمبادئ لجنة "بازل" والمبادئ الصادرة عنها في العام نفسه، وهي لجنة دولية متخصصة في تنظيم قواعد العمل المصرفي والممارسات الإشرافية على مستوى العالم، وتعد دولة الإمارات أيضا طرفا أساسيا في الاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات غير العقلية التي وُقّعت في تونس عام 1994.

انطلاقا من نظرتها الحديثة لعمليات مكافحة غسل الأموال التي أصبحت تتجه ليس فقط لتقليل الجرائم المالية المرتكبة والتي ينتج عنها بالطبع أموال غير نظيفة، وإنما أيضا لحرمان الإرهابيين والمجرمين من الوسائل التي تمكّنهم من تنفيذ أهدافهم، وبحكم عالمية الظاهرة وطبيعتها المتشعبة، سعت دولة الإمارات مؤخرا إلى تنفيذ عدد من المطالب والخطوات المهمة، منها: تكملة وتحديث التشريعات والقوانين الخاصة بمكافحة غسل الأموال، ودعم وتطوير الهيئات الرقابية والتنظيمية، والأنظمة القضائية، والتي تتعاون فيما بينها لمكافحة الظاهرة، وإشراك قيادات شركات ومؤسسات القطاع الخاص، خاصة المؤسسات المالية، لدعم المبادرات التي تقوم بها السلطات الحكومية المختصة لمكافحة الظاهرة، والمشاركة بنشاط وفعالية في المنتديات الدولية والإقليمية بغرض إثراء معلوماتها وتعزيز تعاونها في مكافحة غسل الأموال.

Share