جهود إماراتية فاعلة في مجال مكافحة المخدرات

  • 26 أبريل 2012

تعد مشكلة المخدرات واحدة من أخطر المشكلات التي لا تكاد دولة من دول العالم تخلو من تأثيراتها السلبية، وما يرتبط بها من أضرار بالنسبة للأفراد والمجتمعات، سواء لجهة تنامي ضحايا هذه الظاهرة، وخاصة من فئة الشباب الواقع في براثن التعاطي والإدمان، وما يترتب على ذلك من أضرار فادحة تلحق بالنسيج الاجتماعي للأسر، أو لجهة ارتباطها بالعديد من الجرائم الأخرى. ومن ثم فإن أي مجتمع يريد أن يصل بأفراده إلى بر الأمان يجب ألا يغفل أبداً أو يتوانى عن بذل كل جهد ممكن للتخلص من الآثار السلبية لهذه الآفة المدمرة على الفرد والمجتمع في آن واحد.

لا تنفصل مشكلة المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة عن هذا الاتجاه العالمي، مع اختلاف مهم يتمثل في أن المشكلة هنا مستوردة من الخارج، بسبب انفتاح الدولة على العالم، وتواجد عدد كبير من الجنسيات المختلفة على أرضها، حيث سعى البعض إلى استغلال هذا الانفتاح في جلب المواد المخدرة وترويجها والاتجار بها. وعزز من ذلك أمران: الموقع الجغرافي للدولة، والذي جعلها تصنف كمنطقة عبور للمخدرات من دول الإنتاج إلى دول الاستهلاك، والطفرة المالية والاقتصادية الهائلة التي تشهدها، والتي أغرت بعض العناصر الإجرامية بترويج سمومها في الداخل لجني الأرباح.

ونظراً للمخاطر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تسببها مشكلة المخدرات، فقد تبنت الدولة استراتيجية متكاملة لمكافحتها والتقليل من آثارها السلبية، تشمل محاور عدة؛ أولها المحور الأمني المتمثل في ملاحقة العناصر الإجرامية التي تحاول تهريب هذه المخدرات والاتجار بها. وفي هذا السياق حققت الأجهزة الأمنية في الدولة نجاحات كبيرة، لم تقتصر فقط على الداخل الإماراتي، وإنما امتدت إلى الدول الأخرى؛ حيث أسهمت المعلومات التي قدمتها الأجهزة الأمنية الإماراتية في الكشف عن العديد من شبكات الاتجار بالمخدرات في كثير من دول العالم. فعلى سبيل المثال، تمكنت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في شرطة دبي، خلال العام الماضي، من ضبط نحو 139 كيلوغراماً من المخدرات، بفضل التعاون الدولي، منها 130 كيلوغراماً من الهيروين، وستة كيلوغرامات من مخدر الحشيش، وثلاثة كيلوغرامات من مخدر الكريستال، كما قدمت الإدارة، بحسب تصريحات مديرها اللواء عبدالجليل مهدي العسماوي في فبراير 2012، 54 معلومة دولية، أدت إلى ضبط نحو 77 كيلوغراما من المخدرات في 26 قضية سجلت في 10 دول.

وطبقاً لأحدث الإحصاءات المتوفرة، فقد شهدت قضايا المخدرات في الدولة ارتفاعاً ملحوظاً خلال الربع الأول من العام الجاري، حيث تم تسجيل 238 قضية مقابل 160 قضية في الفترة ذاتها من العام الماضي (2011)، إذ نجحت الأجهزة الأمنية في إحباط كثير من عمليات التهريب النوعية، من ذلك العملية التي قامت بها وزارة الداخلية في 27 مارس 2012 والتي استطاعت من خلالها إحباط تهريب شحنة مخدرات تزن 131 كيلوجراماً من مخدر "الكريستال" عبر قاربٍ بحري في دبي. وفي 5 أبريل 2012، كشفت جمارك دبي عن عصابة مخدرات نسائية، كانت تسعى إلى تهريب المخدرات إلى داخل الدولة عبر مطار دبي الدولي، وتم ضبط 10.4 كليوجرام من الكريستال المخبأ في إحدى الجيوب السرية للحقيبة الخاصة بالمسافرين. وفي التاسع من الشهر الجاري، أعلنت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بشرطة دبي عن إحباط عملية لتهريب نحو 51 كيلوجراما من مادة الأفيون المخدرة، تزيد قيمتها على مليونين ونصف المليون درهم.

هذه بعض الأمثلة النوعية فقط من عمليات تهريب تمّ إحباطها وإنقاذ المجتمع من آثارها المدمرة، فالجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية ممتدة ومتواصلة على مدار الساعة، والنجاحات التي حققتها في الكشف عن عصابات الاتجار بالمخدرات تؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، ما تتمتع به أجهزتنا الأمنية من خبرة ومهنية عالية في التعامل مع القضايا التي تهدد أمن المجتمع واستقراره.

المحور الآخر المهم، هو محور التوعية والتثقيف لكافة أفراد المجتمع وقطاعاته بخطورة هذه المشكلة. وبالنظر إلى حقيقة أن هذه المشكلة مستوردة، وليست متجذرة في المجتمع، فإن نجاح مكافحتها من خلال وسائل التوعية يكون أوفر حظاً مقارنة بالمجتمعات الأخرى التي يتم فيها زراعة المخدرات وصناعتها. وفي هذا السياق تقوم وزارة الداخلية وأجهزة الشرطة بجهود كبيرة للوصول إلى الشرائح المستهدفة وتوعيتهم بخطورة هذه الظاهرة، ابتداءً من أصحاب المشكلة، وهم المدمنون أو المعرضون للإدمان، ولاسيما من الذين يخضعون لبرامج تأهيلية توصلهم إلى مرحلة الإقلاع عن هذه الآفة، ومن ثم مساعدتهم على الاندماج مجدداً في المجتمع، والقيام بدورهم في مسيرة الإنتاج والتنمية، ومتابعتهم اللاحقة لضمان عدم عودتهم إلى الإدمان مرة أخرى.

هناك العديد من الجهات والهيئات المعنية بتوعية فئات المجتمع المختلفة، ولاسيما فئة الشباب، بخطر الوقوع في دائرة الإدمان. فهناك أولاً الإعلام، الذي يمثل حجر الأساس في عملية الوقاية، ويؤدي دوراً مهماً في نشر الوعي بين مختلف فئات المجتمع، وشرح مشكلات تعاطي المخدرات، وذلك من خلال التعريف بأسبابها، وتبيان خطورتها، وانعكاساتها السلبية على الفرد والمجتمع، والاضطرابات الصحية والمشكلات الاجتماعية المترتبة على التعاطي، أو توعية المجتمع بمخاطر إساءة استخدام العقاقير المخدرة والإدمان، وكذلك بيان الخطوات التي يبدأ بها المدمنون طريقهم نحو الإدمان، وشحذ حماسهم لمعاونة أجهزة المكافحة والإدلاء بالمعلومات والمعاونة في ضبط المهربين والتجار. وهناك وزارة الصحة التي تقوم بدور مهم في نشر الوعي الصحي للوقاية من المخدرات من خلال عرض ملصقات ومعلومات، وتوزيع كتيبات خاصة بالوقاية من تعاطي المسكرات والمخدرات. كما تسهم وزارة التربية والتعليم من خلال مؤسساتها التعليمية في الدولة على اختلاف أنواعها ومراحلها، في وقاية المجتمع والأفراد من السقوط في دائرة الإدمان، سواء من خلال المناهج الدراسية والبرامج التعليمية أو الأنشطة المدرسية المختلفة، أو من خلال الندوات والمعارض والأنشطة، التي يتم تنظيمها لهذا الهدف.

ويقوم المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي بدور مهم في مكافحة هذه الظاهرة، ولا يقتصر دور المركز في هذا السياق على تقديم العلاج والتأهيل فحسب، بل يركز على أهمية التوعية والتثقيف لدرء مخاطر الإدمان وحماية المجتمع. وليس أدل على ذلك من مذكرة التفاهم التي تم التوقيع عليها في شهر يناير الماضي بين المركز ومجلس أبوظبي للتعليم بشأن تطبيق برنامج "فواصل" للوقاية من المخدرات في ثماني مدارس بإمارة أبوظبي كمرحلة تجريبية قبل تعميمها على جميع مدارس الإمارة.

ويستهدف هذا البرنامج، الذي يعتبر الأول من نوعه على مستوى المنطقة، تعزيز وقاية طلبة المرحلة الإعدادية (الشريحة العمرية من 12 إلى 14 عاماً)، وبناء قاعدة رصينة من الوعي المجتمعي بين هذه الشريحة العمرية وأعضاء الهيئات التدريسية وأولياء الأمور بشأن خطورة المخدرات، سواء التقليدية أو المرتبطة بالأدوية وآثارها المدمرة على المجتمع، ويتضمن ورشاً تدريبية للأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الذين يشاركون في عملية التوعية بالتعاون مع خبراء من المركز الوطني للتأهيل، وبرامج تفاعلية للطلبة لمدة 12 ساعة أسبوعياً، بواقع حصة أسبوعية، وثلاث جلسات مع أولياء أمور الطلبة المستهدفين.

هذا النوع من التعاون، الذي يهدف إلى حماية الطلبة من آفة الإدمان، وتعزيز شخصية الطالب، وتأهيلها حتى تكون قادرة على مقاومة الضغوط والمغريات التي تؤدي للإدمان والابتعاد عن السلوكيات الخطرة، ومساعدة الطالب على تنمية مهاراته ومعارفه لاتخاذ القرارات الصائبة في حياته العملية والمستقبلية، يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى ما تؤكده التقارير العالمية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة، بشأن حقيقة أن الشرائح العمرية الشابة هي التي يستهدفها تجار المخدرات، الأمر الذي يستدعي اتخاذ كافة التدابير اللازمة للتصدي لهذه المشكلة التي تعد من أبرز التحديات الاجتماعية والصحية والأمنية والاقتصادية التي تواجه كافة الشعوب.

ويجب أن نلفت النظر إلى أن عصابات تهريب المخدرات والاتجار بها تتسم بالشراسة، وأحياناً تفرض سطوتها على المناطق التي تعمل فيها، وكثيراً ما يكون الموت جزاء من يبادر بالإبلاغ عن أفرادها، كما أنها لا تستسلم بسهولة، مما قد يعرض حياة رجال مكافحة المخدرات للخطر في أثناء القيام بواجبهم في ملاحقة هذه العصابات. وقضية "كمين بني ياس"، التي بدأت محكمة الجنايات في أبوظبي النظر فيها بتاريخ 8 أبريل 2012، بشأن إطلاق الرصاص على أفراد الشرطة في كمين كان قد أعد لضبط متهمين بحيازة مخدرات بقصد الاتجار، هي دليل قاطع على ما نذهب إليه.

إن الشريحة التي تقع ضحية للإدمان لم تعد تقتصر على الطبقات الدنيا في المجتمع أو المحرومين من التعليم أو من ذوي الظروف العائلية السيئة فقط، بل أصبحت تضم عناصر من مختلف فئات المجتمع وقطاعاته، لذا فإن دور التوعية الأمنية والاجتماعية لا يقل أهمية عن المكافحة ذاتها، فالوقاية في مواجهة هذه المشكلات تعد طريقة مثلى لتوفير الجهود الأخرى في هذا الجانب. وبناء عليه، فإن جهود المكافحة الأمنية والتوعية والوقاية، إذا ما مضت جنباً إلى جنب، ستكون قادرة على التخلص من هذه الآفة، ولن يكون هناك أمر صعب عليها. ويعزز هذا الاستنتاج ما حققته وتحققه الدولة من إنجازات كبيرة في مكافحة هذه الظاهرة، كانت موضع إشادة وتقدير من كافة الدول والمنظمات الدولية، التي تتعاون وتنسق جهودها مع رجال الأمن في الدولة الساهرين على أمن الوطن، والذين يبذلون جهوداً كبيرة لاقتلاع هذه المشكلة من جذور المجتمع وفق أحدث ما توصلت إليه العلوم والتكنولوجيا والإمكانات، وعلى رأسها العناصر البشرية المؤهلة للتصدي لهذه الآفة بكل جدارة واقتدار.

Share