جهد مطلوب في أفغانستان

  • 8 يونيو 2003

قد يكون من الطبيعي أن يحتل الملف العراقي بؤرة اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولكن هناك أنباء وتقارير من أفغانستان تستحق اهتماما موازيا، على اعتبار أن هناك نوعا من "عولمة الأمن والاستقرار" منذ تدشين الحملة ضد الإرهاب الدولي. وأكثر ما يلفت الانتباه في أفغانستان خلال الفترة القليلة الماضية ليس فقط تجدد القتال والصراعات بين بعض الفصائل الأفغانية والقوات الحكومية، ولكن أيضا مساعي أطراف معينة للحيلولة دون تخلص البلاد من موروثات عهد بائد، والإشارة الأبرز في هذا الاتجاه جاءت من خلال إضرام النار في مدرسة للبنات جنوبي غرب العاصمة كابول بعد إعادة بنائها وتجهيزها من جانب الأمم المتحدة، والأهم من ذلك أنها سادس مدرسة للبنات يتم إحراقها في تلك المنطقة منذ إطاحة طالبان، فيما تعرضت نحو 12 مدرسة للبنات للإحراق أو التدمير في مختلف أرجاء البلاد منذ أواخر عام 2001 ولا يحتاج الأمر بطبيعة الحال إلى كثير من الجهد الأمني للتعرف إلى طبيعة مرتكبي جرائم كهذه بحق مستقبل الشعب الأفغاني.

وتكرار هذه الحوادث في أفغانستان يوحي بدلالات عدة، أولاها أن هناك حاجة ماسة إلى إحداث تغييرات تقترب من مستوى الثورة في الذهنيات لإحداث تغييرات ثقافية تتماشى مع التركيبة المجتمعية والقيمية السائدة وتنسجم مع الموروث الحضاري والثقافي والديني في البلاد، وذلك للتخلص من مفاهيم بائدة تتنافر مع آراء العلماء والفقهاء. والدلالة الثانية أن أفغانستان ما زالت بحاجة إلى استمرار تضافر الجهود الدولية لانتشالها من مستنقع الفقر والأمية والجهل، على اعتبار أن كسر دائرة الجهل لا يقل أهمية وفائدة بالنسبة إلى العالم أجمع من اختراق دائرة الإرهاب والعنف، فالجهل يتحول بمرور السنوات إلى موروث ثقافي، وهو ما يلقي أيضا بالتبعات على النخب السياسية والثقافية في أفغانستان كي تعمل على استئصال الظواهر السلبية. والدلالة الثالثة أن تراجع الاهتمام بدفع عجلة التنمية الاقتصادية يهدد بإعادة أفغانستان إلى الوراء، فاستمرار الأزمات الاقتصادية يضع قادة البلاد في موقف الدفاع مقابل إتاحة الفرصة أمام أمراء الحرب للعودة إلى الصفوف الأمامية وامتلاك زمام المبادرة.

والمؤكد أن الأنباء التي تتحدث عن اشتعال بعض بؤر الصراع في أفغانستان توحي بأن الأمور ليست على ما يرام، ولكن الهاجس الحقيقي أن تنجرف البلاد مجددا وتصبح السيطرة على أوضاعها الأمنية أمراً صعباً للغاية، ما يعني ضرورة التزام الدول المانحة بمسؤولياتها لإطلاق نشاط اقتصادي يفتح نوافذ الأمل لملايين الأفغان. إحراق مدارس البنات في أفغانستان يعكس حاجة البلاد الملحة إلى طي صفحة الماضي الأليم وتطهير البلاد من موروثات حقبة طغت خلالها ثقافة الحرب والعنف على روح التسامح الديني والتعددية العراقية والحضارية التي تمثل الواجهة الحقيقية للشعب الأفغاني المسلم، فنجاح جهود بناء الدولة وضمان دور المرأة في مسيرة التنمية يعدان حجر الزاوية في القضاء على ثقافة الحرب والعنف ودحر طيور الظلام التي ستحاول حتما الخروج من مخابئها لاختبار إرادة المجتمع الدولي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات