جنوب لبنان.. تصعيد محدود بهدف ترميم شعبيات متآكلة

  • 1 أغسطس 2020

لا يبدو أن إيران، وحليفها حزب الله اللبناني من ناحية، وإسرائيل من ناحية ثانية، على استعداد للذهاب بعيداً في مغامرة غير محسوبة العواقب، قد تكلّف كل طرف من الأطراف الثلاثة ما لا يطيق، وتشعل فتيل حرب ربما يتوسَّع نطاقها ليخلط الأوراق في المنطقة برمتها، ويؤدي إلى فوضى تصعب السيطرة عليها.
قبل سنوات عدة كان حادث شبيه بالحادث الذي وقع مؤخراً على الحدود بين لبنان وإسرائيل في منطقة مزارع شبعا كفيلاً بإشعال معركة طاحنة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، اللذين يريد كل منهما إثبات أنه صاحب اليد الطولى في المنطقة، غير أن هذا الحادث مرَّ هذه المرة بصفته حدثاً عابراً لم يُحدث ذلك الضجيج، ولم يُثِر ذلك الاهتمام على الصعيد العسكري، وإنما تحول فقط إلى مناسبة للتراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات، وإطلاق التهديدات التي يعرف كل طرف أن حدودها محكومة بالعديد من التوازنات الإقليمية والدولية.
تفاعلات الحادث بدأت عندما أعلنت إسرائيل أنها أطلقت النار على مقاتلين من حزب الله تسللوا عبر الحدود اللبنانية؛ وهو ما نفاه الحزب جملة وتفصيلاً؛ معتبراً أن ما أعلنته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن إحباط عملية تسلل من الأراضي اللبنانية إلى داخل فلسطين المحتلة، والحديث عن سقوط قتلى وجرحى من مسلحيه في عمليات القصف التي حدثت في محيط مزارع شبعا، هما محاولة لاختراع انتصارات وهمية كاذبة؛ حيث جاءت هذه التطورات كلها في إطار الشحن المتبادل بين الجانبين إثر غارة كانت قد استهدفت محيط مطار دمشق الدولي، وقُتِل فيها أحد عناصر حزب الله، الذي وعد بالرد والانتقام، على الرغم من أن إسرائيل، التي حذرت الحزب، من الرد لم تؤكّد أو تنفِ مسؤوليتها عن الهجوم.
وقد عادت الأمور إلى التهدئة بعد تسخين محدود يبدو أن إسرائيل أرادت منه تأكيد جاهزيتها ويقظتها أمام أي تهديدات قد تقترب من حدودها الشمالية، وكذلك إلقاء الضوء مجدداً على محاولات إيران توسيع نطاق وجودها في المنطقة؛ الأمر الذي يشكل خطاً أحمر بالنسبة إلى تل أبيب، التي نفذت مئات الضربات على مواقع عسكرية في سوريا لمجرد الاشتباه بوجود عناصر أو سلاح إيراني فيها، فيما سعى حزب الله إلى التذكير بأنه ما زال قادراً على إثارة التوتر ورفع سقفه، إلى جانب محاولته إعادة إحياء شعبيته التي تراجعت بشكل كبير على الساحتين العربية واللبنانية نتيجة تدخله في سوريا، واتهامه بدعم محاولات زعزعة الأمن والاستقرار وإثارة النعرات والفتن في أكثر من بلد عربي، وكذلك تخفيف الضغوط التي يتعرَّض لها على الساحة الدولية بعد إخضاع الكثير من مؤيديه وأنشطتهم للمراقبة في أكثر من دولة؛ ضمن مساعي تجفيف مصادر تمويله، وأخيراً تصنيفه حركةً إرهابيةً في ألمانيا وحظر أنشطته كافة.
لا إيران، ولا حزب الله، ولا إسرائيل، تسعى إلى التصعيد؛ فلكل طرف من هذه الأطراف أولوياته التي تشغله حالياً، ولا تمنحه الفرصة للتركيز على ملفات جديدة قد تستنزف المزيد من قدراته وتشتّت جهوده؛ فإيران تعاني سياسة الضغط القصوى وتبعاتها، وتحاول قدر الإمكان البحث عن مخارج تسمح لها بالالتفاف على العقوبات التي باتت تثقل كاهلها؛ فضلاً عن انشغالها بأوضاع داخلية تكاد تصل إلى الحافة؛ حيث استمرار انتشار فيروس «كورونا»، وأوضاع اقتصادية متدهورة تثير احتقاناً وغضباً شعبياً وصل إلى حد الغليان، وثغرات أمنية داخلية تحاول طهران الإمساك بخيوطها ولملمتها والسيطرة عليها، وحزب الله يعلم بشكل جيد أن خوض أي حرب في الوقت الحالي ليس في مصلحته في ظل انشغال إيران بملفات أخرى، وتراجُع الدعم الذي تقدمه بسبب الحصار والانهيار الاقتصادي وتداعيات فيروس «كورونا»؛ وإسرائيل كذلك لا تريد الانشغال على أكثر من جبهة، ولا تريد فتح ملفات جديدة قد تعوق خطتها لضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن، كما أن رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، غارق حتى النخاع في مشكلاته التي تسببت بها الاتهامات التي وُجّهَت إليه بالفساد وخيانة الأمانة، ويواجه حملة شعبية متزايدة تطالب باستقالته أو إقالته، ولا يسعى إلى المزيد من المعارك التي قد تطيح حاضره ومستقبله السياسيين.

Share