جدل الحرب المحتملة في المنطقة!!

  • 4 مارس 2010

شهدت الآونة الأخيرة جدلاً متزايداً حول احتمالات اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون، إذا وقعت، هي الأكثر شمولية وخطورة على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة والعالم منذ عقود. واستند هذا الجدل إلى مؤشرات عدة؛ أولها: خطاب الحرب الذي تتبناه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ تسلمها السلطة، والذي ينطوي على تهديدات مباشرة وصريحة باستخدام القوة ضد بعض الأطراف العربية والإقليمية. فعقب تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة سعد الحريري أكد أكثر من مسؤول إسرائيلي أن دخول حزب الله إلى الائتلاف الحكومي يجعل الحكومة كلها مسؤولة عن نشاط هذا الحزب، ويعطي إسرائيل الحق في أن تستخدم القوة ضد الدولة اللبنانية رداً على أية عملية يقوم بها ضد إسرائيل. وتزامنت هذه التهديدات مع قيام القوات الإسرائيلية بتنفيذ أكثر من مناورة عسكرية على الحدود مع لبنان تأهباً لأي حرب محتملة مع حزب الله، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، إلى التعبير عن خشيته من تعرض بلاده لهجوم إسرائيلي محتمل.

 وأشار الحريري في حديث إلى صحيفة "لوموند" الفرنسيّة، نشر يوم 20 يناير 2010، إلى أن إسرائيل يمكن أن تختلق نزاعاً جديداً مع لبنان كما فعلت في الماضي، في الوقت الذي حذر فيه الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، إسرائيل من مغبة الاعتداء على لبنان، مؤكداً أن أي حرب جديدة لن تكون نزهة وستكون مكلفة جداً لإسرائيل.كما تصاعدت حدة الخطاب الحربي الإسرائيلي الموجه إلى سورية، والذي بدأ بالتصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، وهدد فيها "أنه من دون اتفاق مع سورية فإن بلاده قد تستدرج إلى حرب إقليمية شاملة"، الأمر الذي ردت عليه دمشق بشدة؛ حيث حذر وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، من أن أي حرب تشنها إسرائيل على جنوب لبنان أو سورية ستتحول إلى حرب شاملة وستطال المدن الإسرائيلية، قبل أن يعود وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف، أفيجدور ليبرمان، ليهدد الرئيس السوري بشار الأسد بأنه سيتم الإطاحة بحكمه إذا قامت حرب جديدة بين سورية وإسرائيل.

وعلى المستوى الفلسطيني، اتخذت حكومة نتنياهو سلسلة من القرارات والإجراءات الاستفزازية التي أعادت أجواء التوتر إلى المنطقة، لعل أبرزها قرار ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح في الضفة الغربية إلى قائمة التراث اليهودي، واقتحام قوات الشرطة الإسرائيلية باحات المسجد الأقصى المبارك، وتوسيع السياسات الاستيطانية الرامية إلى تهويد القدس، وعملية اغتيال القائد في حركة حماس، محمود المبحوح، في دبي، وتشديد الحصار المفروض على قطاع غزة.. وغير ذلك من مواقف وسياسات تجهض توجهات العيش المشترك وتهدد بتفجير المنطقة برمتها.

المؤشر الثاني يتمثل في زيادة عمليات التنسيق بين إيران والقوى العربية الخاضعة لتهديد إسرائيل؛ سورية وحزب الله اللبناني وجماعات المقاومة الفلسطينية. وبرز ذلك بوضوح خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، إلى دمشق في أواخر شهر فبراير 2010؛ حيث عقد اجتماعاً مع نظيره السوري، بشار الأسد، والأمين العام لحزب الله اللبناني وقيادات حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وأكد خلاله استمرار دعم إيران لقوى المقاومة ضد إسرائيل، وأعقب ذلك مشاركة الأمينين العامين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مؤتمر "التضامن الوطني والإسلامي من أجل مستقبل فلسطين" الذي افتتحه المرشد الإيراني في طهران. وقد بعث هذان الاجتماعان برسالة مؤادها أن هناك تضامناً بين مختلف أطراف هذا المعسكر ضد التهديدات الإسرائيلية، وأن أية حرب تستهدف أي طرف منهم قد تتحول إلى "حرب شاملة" في المنطقة.

ويرى بعض المحللين أن هذا التحرك الإيراني الذي بدا أكثر نشاطاً في الفترة الأخيرة تجاه ما يعرف بقوى الممانعة يجد تفسيره في أكثر من عامل؛ منها: محاولة تسخين جبهة المواجهة بين إسرائيل والدول العربية المحيطة بها من أجل صرف الأنظار عن برنامجها النووي وتخفيف حدة الضغوط الممارسة عليها في هذا الصدد، والسعي إلى إفشال المحاولات الغربية، ولاسيما الأمريكية، الرامية إلى استقطاب سورية وإنهاء تحالفها مع إيران، علاوة على رغبة النظام الإيراني في الخروج من أزمته الداخلية التي تهدد مستقبله عبر انتهاج سياسة الهروب إلى الأمام ومحاولة إلهاء الشعب بقضايا خارجية تشغله عن أوضاعه الداخلية.

أما المؤشر الثالث، فيتعلق بتفاعلات البرنامج النووي الإيراني؛ حيث اتسعت دائرة الجدل حول احتمالات إقدام الولايات المتحدة أو إسرائيل على توجيه ضربة عسكرية لإجهاض هذا البرنامج، ولاسيما بعد فشل كل المحاولات التي بذلتها الدول الغربية لتسوية هذا الملف بالطرق السلمية، وإصرار إيران على المضي قدماً في مشروعها النووي، بل وإعلانها رفع درجة التخصيب إلى 20%، واتهام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لها بعدم التعاون. فقد أعلن البيت الأبيض يوم 16 فبراير 2010 أنه لن يستبعد أي خيار بما في ذلك الخيار العسكري للتعامل مع طموح إيران النووي، فيما دعا ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، في مقال نشرته مجلة "كوريا تايمز" يوم 21 فبراير الماضي إلى ضرورة إبقاء الخيار العسكري مطروحاً في التعامل مع إيران، مؤكداً أن العقوبات المشددة لن تكون كافية لإقناعها بتغيير موقفها فيما يتعلق بالبرنامج النووي. وعلى الرغم من اعتراف هاس بأن استخدام القوة ضد إيران خطوة لا تخلو من مخاطر مثل توجيه إيران ضربة انتقامية إلى المصالح الأمريكية والقوات الأمريكية المرابطة في العراق وأفغانستان، واحتمال تدخلها لعرقلة شحنات النفط ما يؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعاره، ومن ثم تعريض الاقتصاد العالمي لنكسة أخرى، فإنه يرى أن التكاليف الاستراتيجية للخيار الآخر المتمثل في امتلاك السلاح النووي ستكون أكثر خطورة على الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.

غير أن فكرة الحرب تبدو مستبعدة لدى إدارة أوباما. فإضافة إلى التبعات المحتملة لهذه الحرب التي أشار إليها هاس، تعاني الولايات المتحدة من أزمة مالية واقتصادية طاحنة تفرض قيوداً شديدة على قدرتها على فتح جبهة ثالثة مع إيران، ولاسيما أن مثل هذه الحرب ستزيد جبهتي العراق وأفغانستان اشتعالاً، وهو آخر ما ترغب فيه القوات الأمريكية. كما أنه ليس مؤكداً نجاح الضربات الأمريكية المحتملة في تعطيل البرنامج النووي الإيراني لمدة تزيد على الشهور، ولاسيما أن المنشآت النووية الإيرانية متناثرة ومحصنة بشكل جيد، بل على العكس قد يدفع هذا السيناريو النظام الإيراني إلى تسريع خطواته في هذا المجال. وذهب بعض المحللين إلى القول بأنه لا يوجد رئيس أمريكي عقلاني يرغب في شن حرب اختيارية تكون لها هذه التكاليف الباهظة، لافتين إلى أن الرئيس السابق جورج بوش الابن، الذي كان يولي الأداة العسكرية أهمية بالغة في تنفيذ سياسته الخارجية، لم يجرؤ على الدخول في هذه المواجهة.

لكن ذلك لم يدفع بعض المحللين السياسيين إلى استبعاد فكرة استخدام الولايات المتحدة للقوة ضد إيران؛ حيث يرى هؤلاء أن واشنطن ربما تجد نفسها في يوم ما أمام "حرب ضرورة" لا "حرب اختيار" مع إيران وذلك إذا أقدمت إسرائيل على قصف المنشآت النووية الإيرانية. ففي هذه الحالة لن تستطيع واشنطن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام التطورات التي يمكن أن تلحق بهذا العمل. وهو سيناريو ليس مستبعداً، فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره خطراً وشيكاً يهدد وجودها، وخاصة إذا ما تم ربطه بتصريحات القادة الإيرانيين حول حق إسرائيل في الوجود، وبالتالي فالمسألة بالنسبة لها مسألة وجود، وليس مجرد خطر استفزازي. وربما يكون هذا الأمر هو الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى إرسال الأدميرال مايكل مولن، رئيس الأركان الأمريكي، إلى إسرائيل في فبراير الماضي حاملاً رسالة واضحة تقول لقادة إسرائيل "ليس لديكم تفويض في أن تفاجئونا فتنفذوا خطورة عسكرية حيال إيران دون التنسيق معنا"، على حد ما ذكره أليكس فيشمان بصحيفة "يديعوت أحرونوت".

وعلى الرغم من تصريحات العديد من المسؤولين الإسرائيليين التي تحمل تهديدات مبطنة وصريحة بإمكانية استهداف البرنامج النووي الإيراني، وتأكيد الرئيس الإيراني نفسه في الشهر الماضي أن إسرائيل تستعد لشن حرب في الربيع أو الصيف، دون أن يوضح ضد من، فإن الاتجاه الغالب بين المحللين يستبعدون فكرة أن تهاجم إسرائيل إيران للأسباب نفسها التي تمنع واشنطن من القيام بذات السلوك، وهو ما أكده صراحة دان حالوتس، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، خلال مقابلة أجراها الشهر الماضي مع التلفزيون الإسرائيلي شكك فيها في قدرة بلاده على توجيه ضربة استباقية إلى المنشآت النووية الإيرانية، مشيراً إلى أن دولة إسرائيل "يجب ألا تحمل نفسها مهمة حامل الراية للعالم الغربي بأكمله في مواجهة التهديد الإيراني". كما أن إسرائيل لو كانت تستطيع القيام بذلك لكانت نفذته بالفعل منذ فترة. وأقصى ما يمكن أن تقوم به إسرائيل في الفترة الراهنة، بحسب بعض المحللين، هو شن حرب على القوى الموالية لإيران المحيطة بها، ولاسيما حزب الله، والتي يمكن أن تستخدمها طهران كمخلب قط لشن عمليات هجومية ضد إسرائيل.

لا شك في حقيقة أن التفكير العقلاني في التبعات المحتملة لأي حرب جديدة بالمنطقة، والحسابات البراجماتية للمكاسب والخسائر المتوقعة ستقود إلى نتيجة واحدة وهي استبعاد فكرة الحرب أو العمل العسكري المحتمل، ولكن إذا ما وقعت هذه الحرب بين أي طرفين، فإن احتمالات تحولها إلى حرب إقليمية شاملة ستكون حاضرة وبقوة، بكل ما قد يترتب على ذلك من تهديد خطير للأمن والاستقرار ليس فقط في المنطقة ولكن في العالم برمته، الأمر الذي يفرض على كل أصحاب العقول والمصالح أن يعملوا بقوة على تجنيب المنطقة والعالم ويلات حرب جديدة، وأن يتم الضغط على كل الأطراف الساعية إلى إشعال المنطقة للتوقف عن سياساتها الخطيرة، فالحروب من السهل إشعالها، ولكن من الصعب جداً وقفها أو السيطرة على نطاقها وتبعاتها.

Share