جاذبية «داعش» تتلاشى بين الأوروبيين الذين عادوا إلى بلادهم قادمين من سوريا

  • 17 يونيو 2020

تتناول سعاد مخنت، مراسلة مختصة بشؤون الأمن القومي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقضايا الإرهاب وأوروبا، وجوبي واريك، مراسل الأمن القومي لتغطية قضايا الإرهاب والدول المارقة وانتشار الأسلحة، في مقالهما في صحيفة «واشنطن بوست» عناصر تنظيم داعش العائدين من سوريا إلى أوروبا؛ حيث يلاحظ اندماج بعضهم، ولكن القلق مستمر من إمكانية عودتهم إلى التنظيم.

 

منذ إطلاق سراحه من السجن قبل عامين، قدم الجهادي السابق المعروف سابقاً باسم «أبو عائشة» عرضاً مثيراً للإعجاب حول التغيير الذي طرأ على حياته. فقد قال البلجيكي البالغ من العمر 27 عاماً، الذي سافر إلى سوريا عام 2013، إنه يرفض تنظيم «داعش»، وإنه يفضل الدراسة على القتال، ووجه نصيحة للشبان المسلمين بضرورة البقاء بعيداً عن التنظيم.

وقال مواطن آخر يقيم في بروكسل، رفض الكشف عن اسمه الحقيقي خوفاً من انتقام أنصار تنظيم «داعش»: «لقد رأيت بأم عيني ما فعله تنظيم داعش. ومن بين جميع العائدين من سوريا الذين قابلتهم منذ عودتهم إلى بلادهم، فإن معظمهم لا يريدون أن يكون لهم أي علاقة بهذا التنظيم».

وتُعد تلك الكلمات، التي رددها عائدون آخرون في أوروبا، سبباً للتفاؤل الحذر عبر قارة أوروبا التي شهدت سفر آلاف المواطنين إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى التنظيم الإرهابي. وتشير الدراسات العلمية التي تم إجراؤها مؤخراً إلى أنه على الرغم من المخاوف الأولية، فإن الغالبية العظمى من العائدين يبدو أنهم يتجنبون أسباب التطرف حتى الآن، ويرفض الكثيرون صراحة تنظيم «داعش» وأساليبه العنيفة.

وقال توماس رينارد، باحث بلجيكي في قضايا الإرهاب ومؤلف دراسة عن تطرف السجون: «هناك عدد من العلامات التي تشير إلى خيبة الأمل بين المقاتلين العائدين والمجرمين المفرَج عنهم. من الواضح أنهم لم يقوموا بالاتصال بشبكاتهم السابقة، ولم يعودوا إلى الأنشطة المتطرفة العنيفة، الأمر الذي تؤكده تقارير الأجهزة الأمنية».

وهذا الاتجاه، في حال استمر، سيمثل أخباراً جيدة حقاً لمنطقة شهدت سلسلة من التفجيرات القاتلة، وعمليات إطلاق النار من قبل أنصار تنظيم «داعش» ابتداء من عام 2015. ووفقاً لمسؤولين أوروبيين، فإنه لم تحدث هجمات موجهة من تنظيم «داعش» على الأراضي الأوروبية منذ عام 2017، كما انخفض عدد الحوادث الإجمالية المرتبطة بالجماعات الإسلامية، بما في ذلك هجمات «الذئاب المنفردة» بشكل حادّ.

وعلى الرغم من الهدوء النسبي، فإن المسؤولين الأوروبيين قلقون من أن تكون هذه المكاسب عبارة عن مكاسب هشة. ففي أجزاء أخرى من العالم، يبدو أن الزخم يتحول لصالح التنظيمات الإرهابية، حيث يكتسب تنظيم «داعش» المزيد من القوة في العراق وسوريا، وذلك بالنظر إلى عدد ونطاق الهجمات الإرهابية التي حدثت في الأشهر الأخيرة في معاقل التنظيم السابقة. ومن جانب آخر، يتصاعد زخم الميليشيات المتطرفة في جميع أنحاء إفريقيا، حيث تتنافس الجماعات المتحالفة مع كلّ من تنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش»؛ من أجل السيطرة على مساحات واسعة من المناطق الريفية من القرن الإفريقي.

ويقول مسؤولون وخبراء في الإرهاب إن ظهور زعيم جديد يتمتع بشخصية كاريزمية، يمكن أن يلهم أتباع المنظمات الإرهابية في أنحاء العالم مرة أخرى مثلما فعل تنظيم «داعش»، بما في ذلك بعض الذين نبذوا العنف من قبل. وقال المسؤولون إن الركود الاقتصادي المطول الناجم عن جائحة فيروس كورونا سيسهّل على الجماعات الإرهابية كسب المجندين.

وقال أحد مسؤولي مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، الذي تراقب حكومته مئات المواطنين الذين انضموا إلى تنظيم «داعش» وقاموا بالعودة إلى وطنهم مرة أخرى: «لسنا سذجاً، فهناك العديد من المقاتلين العائدين إلى البلاد، تماماً مثل المقاتلين في أوروبا، الذين زعموا أنهم لم يعودوا يريدون أن يكونوا جزءاً من تنظيم «داعش»، وأنهم أدركوا أنهم ارتكبوا خطأً. ولكن البعض قد ينضم غداً إلى جماعة جديدة، أو سيقع في صفوف تنظيم داعش. لهذا السبب، لا يمكنك أن تكون متأكداً بنسبة 100%».

فنجاحات بلجيكا حتى الآن ناتجة جزئياً عن فشل «تنظيم داعش». وكان إعلان التنظيم في عام 2014 عن قيام خلافة إسلامية جديدة في الشرق الأوسط هو الحدث الذي جذب في البداية الآلاف من مسلمي أوروبا وأمريكا الشمالية إلى العراق وسوريا. ولكن ابتداءً من عام 2015، بدأ التنظيم المتطرف بخسارة معركة تلو الأخرى مع التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة، وبلغت ذروة تلك الخسائر في تدمير آخر معقل لتنظيم «داعش» في سوريا في أوائل عام 2019. ومع تلاشي فكرة الخلافة، انحسر الحماس للمشروع بين بعض المؤيدين الأوائل للتنظيم.

وقد أصيب أنصار سابقون لتنظيم «داعش» بخيبة أمل من الأساليب الوحشية للجماعة الإرهابية، التي تضمّنت عمليات إعدام مسجلة بالفيديو، بالإضافة إلى الاستعباد المنهجي، واغتصاب الأسيرات.

قال أبو عائشة، الذي سافر إلى سوريا، إنه قرر العودة إلى بروكسل بعد 3 أشهر فقط من العيش في منطقة يسيطر عليه تنظيم «داعش» بالقرب من حلب، حيث أخبر قائده المحلي أنه ذاهب إلى تركيا لزيارة زوجته، ومن ثم غادر سوريا، ولم يعد أبداً إلى هناك. وقد أدت مسيرة أبو عائشة القصيرة، كجهادي، في نهاية المطاف إلى إدانته ودخوله السجن لفترة معينة، حيث التقى سجناء آخرين حولتهم تجاربهم ليصبحوا ضد تنظيم «داعش». وأضاف قائلاً: «كره الناس الطريقة التي يقوم فيها تنظيم داعش بقتل الناس الذين لم يتفقوا معه، وكره الناس قيام أعضاء التنظيم بالدخول إلى المساجد وذبح الناس».

ومع ذلك، يعتقد أبو عائشة أن بعض زملائه السابقين من الممكن أن يتم إغراؤهم مرة أخرى للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة. وقال: «هناك الكثير في السجن الذي أعتقد أنهم بانتظار ظهور التنظيم مرة أخرى، أو ظهور شخصية جديدة». ويقول مسؤولو مكافحة الإرهاب إن احتمال ظهور التنظيم مرة أخرى قد ازداد في الأشهر الأخيرة. فعلى الرغم من الخسارة التي تعرض لها تنظيم «داعش»، فإنه لا يزال نشِطاً في العراق وسوريا، وعبر شبكة من الفروع الإقليمية من شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا.

وأظهر تحليل جديد للهجمات الإرهابية المرتبطة بتنظيم «داعش» ارتفاعاً مطرداً في عدد الحوادث في كل من العراق وسوريا، وذلك بعد تراجع أحداث العنف العام الماضي. فقد نفذ التنظيم 566 هجوماً داخل العراق وحده خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، مقارنة بـ 292 هجوماً خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك وفقاً لما ذكره مايكل نايتس، وهو زميل بارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وشارك في تأليف الدراسة التي نشرها مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية.

وتعافي التنظيم ليس أمراً مفاجئاً، بحسب ما يعتقد نايتس، الذي ذكر أن قادة تنظيم «داعش» قد وضعوا الأساس لحملة إرهابية قبل سقوط الخلافة المزعومة بفترة طويلة من خلال تفريق المقاتلين، والتخزين المسبق للأسلحة والمتفجرات والإمدادات. وأضاف نايتس: «هناك مئات، إن لم يكن آلاف، المخابئ للتنظيم في الكهوف المنتشرة في أنحاء العراق».

وفي حين أن تنظيم «داعش» ليس قوياً بما يكفي لكي يتمكن من السيطرة على الأرض كما هي الحال في عام 2014، إلا أنه يستفيد بشكل واضح من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في كل من العراق وسوريا، كما يقول الخبراء في شؤون الإرهاب. وتسود ظروف مماثلة في أجزاء من غرب إفريقيا، حيث بدأ تنظيم «داعش» وتنظيم «القاعدة» بالفعل ممارسة سيطرة فعلية على القرى الريفية في المناطق التي كانت فيها الإدارة المحلية ضعيفة تقليدياً.

وقال مسؤول غربي كبير في مكافحة الإرهاب، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إنه مع انشغال معظم العالم بوباء فيروس كورونا «كوفيد-19» والاضطراب الاقتصادي المرافق له، فإنه يمكن للجماعات الإسلامية أن ترى إمكانية تحقيق طموحاتها في جدول زمني أقصر بكثير مما كانت تعتقده. وأضاف أيضاً أن تركيز قوات الأمن في الخارج على مواجهة الوباء يخفف الضغط على هذه الجماعات، وينشئ مساحة لها لإعادة تشكيلها، ونحن قلقون جداً بشأن ذلك.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات