ثوابت السياسة الخارجية الإماراتية

  • 21 أكتوبر 2010

تتميز السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بالثبات والالتزام بالمواقف والمبادئ، التي أرسى معالمها ومنطلقاتها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة وباني نهضتها، والتي ترتكز على مجموعة من القواعد الثابتة التي تعمل على خدمة المصالح الوطنية العليا، والالتزام بنصرة القضايا الإسلامية والعربية، والاهتمام بتطوير العلاقات الإنسانية مع جميع دول العالم وشعوبه، بالإضافة إلى الوقوف بجانب قضايا الحق والعدل في المحافل الدولية، مما أكسب الإمارات مكانة متميزة على الصعيدين العربي والدولي.

ولم تتراجع القيادة الرشيدة عن هذا النهج قيد أنملة، ولاسيما أنه أثبت جدارته في تحقيق كل الأهداف المرجوة منه، سواء في تحقيق المصالح الوطنية، أم في ترسيخ مكانة الدولة خارجياً، بل عملت على تعزيزه وتطويره بما يتوافق مع المتغيرات الدولية المختلفة. فمنذ تولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان منصب الرئاسة عام 2004، شهدت الدبلوماسية الإماراتية نجاحات متزايدة؛ إذ حافظت على الثوابت نفسها التي أرسيت منذ إنشاء الدولة، كما منحتها زخماً جديداً تجلى في التطورات الإيجابية التي شهدتها علاقات الدولة مع العديد من دول العالم.

ولقد أعاد صانع الدبلوماسية الخضراء في الدولة، سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، تأكيد هذه الثوابت والمبادئ في كلمته التفصيلية التي ألقاها أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في 29 سبتمبر/أيلول الماضي (2010)، والتي طرح سموه خلالها توجهات ومبادئ السياسة الخارجية الإماراتية بكل وضوح وجلاء أمام العالم بكل أطيافه، كما عرض خلالها مواقف الدولة تجاه القضايا الإقليمية والدولية المثارة، بداية من قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى)، مروراً بالعراق وأفغانستان وباكستان واليمن والصومال…إلخ.

وفي أولى سلم الأولويات يأتي الحرص على أمن منطقة الخليج العربي واستقرارها؛ حيث أكد وزير الخارجية بوضوح أن "تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج يمثل أولوية حيوية في سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة المتوازنة، والتي تستمد مبادئها من ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي، ولاسيما تلك الداعية إلى التعايش السلمي، وتعزيز بناء الثقة وحسن الجوار والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واتباع الوسائل السلمية لتسوية الخلافات القائمة".

وانطلاقاً من هذه المبادئ التي تعد بمنزلة قواعد راسخة في تعامل الإمارات الدولي مع الدول الشقيقة والصديقة، أكد سموه تمسك الإمارات بحقها في استعادة سيادتها الكاملة على جزرها الثلاث المحتلة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية الإماراتية، ودعا المجتمع الدولي إلى حث إيران على التجاوب مع الدعوات السلمية الصادقة لدولة الإمارات الداعية إلى التسوية العادلة لهذه القضية، إما عبر المفاوضات المباشرة الجادة بين البلدين أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للفصل في النزاع وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي".

وعلى الرغم من مرور قرابة أربعة عقود على هذا الاحتلال غير المشروع للجزر الثلاث، فإن الدولة لم تغيِّر من سياستها تجاه إيران، والقائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، حفاظاً على روح الأخوة الإسلامية بين البلدين والجيرة الجغرافية التي لا مجال لتغييرها وفقاً لموازين التعايش بين البشر المتجاورين، من دون أن يعني ذلك التفريط في جزء من التراب الوطني، أو التنازل عن حقها السيادي الذي تكفله لها المواثيق الدولية التي تحمي سيادات الدول وخصوصياتها من الاستباحة القسرية.

عربياً، تتبنى الدولة منذ تأسيسها نهجاً واضحاً في خدمة القضايا والمصالح العربية، فهي لم تأل يوماً عن تقديم كل أشكال الدعم للقضايا العربية العادلة. فبالنسبة للعراق، الذي مازال بعد مرور قرابة تسعة أشهر على الانتخابات الأخيرة يعاني أزمة سياسية معقدة حالت حتى الآن دون تشكيل حكومة تتوافق عليها كافة أطراف المجتمع العراقي، أكد وزير الخارجية في كلمته تطلع الإمارات إلى "توافق الإخوة العراقيين على تشكيل حكومة وطنية، تواصل بناء مؤسساتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية، وبسط سيادتها على كافة أرجاء العراق، وإنجاز المصالحة الوطنية الشاملة التي تشكل الضمان الحقيقي لاستقرار العملية السياسية، واحتضان كافة أطياف الشعب العراقي دون استثناء أو تمييز". وهذا الموقف يعكس قناعة إماراتية مؤداها أن تحقيق الاستقرار في العراق لا يمكن أن يتحقق دون تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وتحقيق حكومة وحدة وطنية تأخذ مصالح كافة الفئات والطوائف بعين الاعتبار.

أما القضية الفلسطينية، وهي القضية الأم للعرب والمسلمين كافة، فهي تقع في قلب ثوابت السياسة الخارجية لدولة الإمارات، التي لم تتأخر يوماً عن تقديم كل أشكال الدعم المادي والمعنوي والسياسي لأبناء الشعب الفلسطيني، ودافعت عن حقوق هذا الشعب في مختلف المنابر الإقليمية والدولية، مطالبة بإنهاء الاحتلال كمدخل لتحقيق الاستقرار في المنطقة برمتها، وهو ما أشار إليه سمو الشيخ عبدالله بن زايد في كلمته أمام الجمعية العامة، قائلاً: "إن الإمارات العربية المتحدة تؤمن بأن تحقيق السلام في الشرق الأوسط وإنهاء النزاع بين إسرائيل والعرب مسألة مركزية وحيوية للسلام والاستقرار في المنطقة برمتها، وأن هذا لن يتحقق إلا من خلال وضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والانسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967، بما يشمل مدينة القدس الشرقية ومرتفعات الجولان السوري المحتل وما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة في جنوب لبنان، وتحقيق السلام العادل والشامل وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية".

وأبرز ما يميز هذا النهج أنه لم يقف عند احتلال فلسطين وحدها، وإنما ضم إليها كل بقعة عربية تعاني من نير الاحتلال الإسرائيلي، دون أي تفرقة بين أرض وأخرى؛ لأن مبدأ احتلال أراضي الآخرين مرفوض تحت أي مبرر.

كما أكد سموه مساندة بلاده ودعمها للحكومة اليمنية في مواجهة المشكلات والتحديات التي يشهدها اليمن، وحرصها على أمن واستقرار هذا البلد العربي ووحدة أراضيه وسلامته الإقليمية، لافتاً إلى الدور الفاعل الذي تقوم به الإمارات في إطار مجموعة أصدقاء اليمن؛ حيث تترأس المجموعة الأولى المعنية بالاقتصاد والحكم الرشيد بالشراكة مع ألمانيا. والأمر ذاته، ينطبق على الموقف الإماراتي من الأوضاع في السودان، المقبلة على استفتاء انفصال الجنوب في العام القادم، وكذلك الصومال التي تعاني منذ قرابة العقدين من عدم الاستقرار، وتفشي أعمال القرصنة التي تدينها الإمارات بكل قوة، وتدعو إلى مزيد من التعاون الإقليمي والدولي الفعال للقضاء عليها.

على المستوى الإسلامي، حافظت الدولة على سياستها الداعمة للدول الإسلامية في مواجهة الأزمات التي تعترضها أو تواجهها، ويبرز في هذا السياق الموقف الإماراتي الداعم لأفغانستان؛ فقد بلغت قيمة المخصصات المالية التي قدمتها الدولة للحكومة الأفغانية منذ مؤتمر طوكيو عام 2009 وحتى الآن نحو مليار وخمسمائة مليون دولار، بحسب ما أعلنه سمو الشيخ عبدالله بن زايد في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي تهدف إلى دعم الحكومة الأفغانية في جهودها لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد، والتخفيف من معاناة الشعب الأفغاني. كما أكد سموه أهمية دعم استقرار باكستان بوصفها تمثل عنصراً أساسياً في استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة ككل، متعهداً بأن تواصل بلاده مساهماتها المتعددة الأوجه بهذا الشأن، وبالأخص في إطار مجموعة أصدقاء باكستان لدعم جهود التنمية والاستقرار الدائمين في هذا البلد الصديق.

وفيما يتعلق بالقضايا الدولية التي تشغل اهتمام المجتمع الدولي تتبنى الإمارات سياسة خارجية متسقة مع الجهود الدولية، ومن ذلك الموقف من قضية الإرهاب الدولي؛ حيث تأتي الإمارات في مقدمة الدول التي أدانت وتدين العلميات الإرهابية التي تستهدف المدنيين الآمنين في بيوتهم وأوطانهم في مختلف مناطق العالم، كما كانت حريصة في الوقت ذاته على عدم الخلط بين النضال العادل للشعوب وحقها في مقاومة الظلم والاحتلال وبين الجرائم الإرهابية التي ترتكب ضد المدنيين الأبرياء، ولم ترضخ لأي ابتزاز أو ضغوط في هذا السياق. وقد جاء موقف وزير الخارجية في هذا السياق مؤكداً الثوابت نفسها التي تتبناها الدولة بشأن هذه الآفة؛ حيث شدّد على إدانة دولة الإمارات ونبذها للإرهاب بكل أشكاله وصوره أين وكيفما وقع، وعلى أهمية تكاتف الجهود الدولية والإقليمية في مجال مكافحة هذه الظاهرة وتنشيط استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، مؤكداً أن الإرهاب لا يعرف الحدود الوطنية ولا الدين.

إن السياسة المتوازنة والمعتدلة التي انتهجتها دولة الإمارات منذ قيامها إزاء القضايا الإقليمية والدولية أكسبت بلادنا الاحترام والتقدير، وجعلت لها كلمة مسموعة في مختلف المحافل العالمية. والمواقف التي عبر عنها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان في الأمم المتحدة، تمثل تكريساً لهذه السياسة الحكيمة والمتوازنة، التي تلتزم بالثوابت، وتستجيب في الوقت ذاته للمتغيرات المستجدة على الصعيدين الدولي والإقليمي، الأمر الذي ضمن لها نشاطاً وتفاعلاً بنـّاء مع القضايا كافة، وكرس حضور الدولة دولياً وعزز من مكانتها الإقليمية.

Share