ثمن الـخلافات السياسية في‮ ‬العراق

  • 30 أكتوبر 2011

على الرغم من مضي أكثر من ثماني سنوات على انتهاء حكم صدام حسين، فإن الخلافات بين القوى السياسية العراقية ما زالت تمثل عائقاً رئيسياً أمام إنجاز البناء السياسي والاقتصادي، وتهديداً خطراً لتماسك الدولة ووحدة أراضيها. إن إقدام مجلس محافظة "صلاح الدين"، مؤخراً، على إعلان المحافظة إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي والتأييد الشعبي لهذه الخطوة من قبل سكان المحافظة وخروجهم في تظاهرات للتعبير عن هذا التأييد، يؤكد أن الخلافات السياسية قد أصبحت تهدد كيان الدولة العراقية، وأن العملية السياسية لم تستطع خلال السنوات الماضية بناء توافق وطني عام حول المصالح العليا للوطن، أو تكريس مبادئ العيش المشترك على قاعدة المواطنة العراقية التي يستظل بها الجميع دون استثناء أو تمييز بسبب الدين أو المذهب أو العرق أو المنطقة الجغرافية.

على الرغم من أن ما أقدم عليه مجلس محافظة "صلاح الدين" لا يخالف الدستور الذي يتيح لكل محافظة أو أكثر تشكيل إقليم خاص بها، كما أن الأمر سيحتاج إلى إجراءات أخرى حتى يتحوّل إلى واقع سياسي على الأرض مثل إجراء استفتاء شعبي في المحافظة والحصول على موافقة برلمانية، فإن الأمر له دلالاته السلبية المهمة التي من الضروري الالتفات إليها والإلمام بالمعاني التي تنطوي عليها حفاظاً على مستقبل العراق وصيانة لوحدته، وذلك في ظل التحذير من أن تشجع هذه الخطوة محافظات أخرى على أن تحذو حذوها خلال الفترة المقبلة، خاصة مع بروز بعض المواقف والمؤشرات المقلقة في هذا الشأن خلال الفترة الماضية وشكوى بعض المحافظات من التهميش والتمييز الذي تقول إنها تعانيه.

أياً ما كانت الأسباب والخلفيات التي تقف وراء قرار مجلس محافظة "صلاح الدين" الأخير بالتحوّل إلى إقليم حكم ذاتي، فإنه يدق ناقوس الخطر بشدة، خاصة أن أبناء هذه المحافظة ذاتها كانوا من المعارضين لنظام الأقاليم حينما طرح الدستور العراقي للاستفتاء العام، وهذا يلفت النظر إلى أمر على درجة كبيرة من الأهمية هو أن استمرار الخلافات السياسية التي تمنع التوافق الوطني وتحول دون إيجاد أطر وأهداف وطنية جامعة، يوجِد توجّهات خطرة على حاضر العراق ومستقبله.

إن القوى السياسية العراقية بمختلف انتماءاتها وتوجّهاتها، أمام مسؤوليات تاريخية كبيرة، سواء في ضوء إعلان الانسحاب الأمريكي التام في نهاية العام الجاري، أو في ظل تصاعد الخلافات في ما بينها، إضافة إلى ما يظهر من تزايد في الهجمات الإرهابية بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، وهذا يحتم عليها إدارة خلافاتها بشكل سليم والإسراع في تسويتها وإيجاد حلول ناجزة ونهائية لها، بحيث يمكن للعراق تحقيق الانتقال الحقيقي نحو عهد جديد من التنمية والاستقرار والتوافق فضلاً عن الوحدة الوطنية، لأن الثمن الذي يدفعه الوطن لاستمرار هذه الخلافات باهظ وخطر.

Share