ثمن الديمقراطيّة في العراق

  • 9 مارس 2010

دفع العراقيّون ثمناً كبيراً لإصرارهم على المشاركة في صنع مستقبلهم ورسم طريق الخروج من عنق الزجاجة إلى الفضاء الرّحب من الديمقراطية والتعايش والأمن، حيث أوقعت الاعتداءات الإرهابيّة التي حاولت منع تدفق ملايين العراقيين إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانيّة، التي جرت يوم الأحد الماضي، نحو 38 قتيلاً، وأكثر من 110 جرحى. برغم تهديدات قوى العنف والإرهاب التي عملت على تنفيذها، فإن المشاركة في الانتخابات العراقيّة الأخيرة فاقت 62% وفق تقديرات المسؤولين، وهذا يؤكّد أن الشعب العراقي مؤمن بقدرته على تغيير حاضره، ورسم ملامح مستقبله، مهما كانت المصاعب والمخاطر، وأن صناديق الاقتراع هي المكان الذي يمكنه من خلاله تحقيق ذلك عبر منافسة سلميّة ديمقراطيّة بين الأفكار والبرامج بعيداً عن العنف الذي دفع ثمنه الجميع، من دون استثناء، خلال السنوات الماضية.

هذه التضحيات الكبيرة التي قدّمها العراقيون ثمناً لتصميمهم على المشاركة، وعدم خضوعهم لابتزاز تنظيم "القاعدة" وتهديداته، وهذه الروح الإيجابيّة والشجاعة التي عبّروا عنها، تنطوي على رسالة مهمّة إلى القوى السياسية المختلفة من المهمّ أن تعيها وتدركها جيداً، وهي ضرورة العمل من أجل ألا تضيع هذه التضحيات سدًى، ويدخل العراق بعد الانتخابات في دوامة أخرى من الخلافات والمشاحنات والصراعات. من الضروريّ أن ينتقل العراق إلى مرحلة جديدة بعد الانتخابات عنوانها الحوار والتعايش ونبذ الطائفيّة، إضافة إلى التوافق الوطني، خاصّة أن المرحلة المقبلة تنطوي على تحديات جسام تحتاج للتعامل معها إلى روح وطنيّة عراقيّة واحدة. فهناك حاجة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنيّة فاعلة ومستقرّة وقادرة على إحداث النقلة التنموية التي يطمح إليها أهل العراق، واستكمال مشروع المصالحة الوطنية الذي يواجه التعثّر، ومتابعة الانتقال من مرحلة المحاصصة الطائفيّة إلى مرحلة أخرى تقوم على ترسيخ معاني المواطنة العراقيّة الحقّة، وتكريس الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي بعد النجاحات الكبيرة التي تحقّقت في مواجهة قوى العنف والإرهاب خلال الفترة الماضية، والمسارعة إلى إعادة الإعمار والبناء، وتسوية المشكلات والخلافات العالقة، خاصّة في ما يتعلّق بوضع كركوك، وتأكيد سيادة العراق على أرضه ومقدراته، ومواجهة أيّ محاولات للتدخل في شؤونه الداخلية، وغير ذلك كثير من التحديات والاستحقاقات التي يأمل العراقيون أن توفّر الانتخابات البرلمانية الأخيرة البيئة الملائمة والمناسبة للتعامل معها.

لقد ارتضت القوى السياسيّة العراقيّة، بمختلف تنويعاتها، التنافس السياسي السلمي، والاحتكام إلى خيارات الناخبين وفق إطار دستوري وقانوني محدّد، ومن المهمّ احترام هذا الإطار، ومناقشة أيّ خلافات أو شكاوى من خلاله في الفترة المقبلة، وعدم العودة بالبلاد مرّة أخرى إلى الوراء مهما كانت الأسباب أو المبرّرات، لأن الشعب العراقي الذي تحلّى بالشجاعة في مواجهة التفجيرات والهجمات الإرهابية، وخرج للإدلاء بصوته تحت النار، يتطلّع إلى أن يرى عراقاً أكثر استقراراً وتنمية وتوافقاً.

Share