ثقل الولايات المتحدة على إيران

د. كينيث كاتزمان: ثقل الولايات المتحدة على إيران

  • 11 يونيو 2006

خلال العامين الماضيين حاول صُنـّاع السياسة الأمريكيون وغيرهم من الخبراء التكهن بما يُرجَّح أن تكون عليه نتيجة الأزمة النووية مع إيران، وذلك بتحليل الثقل النسبي للأسرة الدولية وإيران. وأثناء هذين العامين، ومع ارتفاع أسعار النفط وانغماس القوات الأمريكية في حرب تتزايد صعوبة الفوز بها في العراق، بدا أن هناك إجماعاً على أن إيران تملك ثقلاً أكبر مما تملكه الولايات المتحدة والأسرة الدولية. ويعتقد البعض أن التطورات الأخيرة في العراق وفي أسعار الطاقة زادت الموقف الإيراني قوة على قوة، كداعم للحركات الإسلامية يمتلك القدرة على تنفيذ أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

 وفقاً للحكمة التقليدية، فإن إيران تمتلك الآن ما يكفي من فرص لاتخاذ إجراءات انتقامية، رداً على أي عقوبات دولية صارمة أو أي ضربة عسكرية تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد المنشآت النووية الإيرانية. وفي هذا الإطار تخشى الأسرة الدولية أن تكون إيران قادرة ? كما سبق أن هدّد بعض المسؤولين الإيرانيين ? على إيقاف صادرات النفط والدفع بأسعاره إلى مستويات تعجيزية. كما أنها تستطيع تصدير المزيد من الأسلحة إلى الحركات الشيعية المسلحة داخل العراق، كحركة مقتدى الصدر، في محاولة لتعقيد مهمة الولايات المتحدة هناك. وإضافة إلى ذلك، تستطيع إيران كما يرى كثير من الخبراء أن تؤلب حزب الله اللبناني وغيره من الحركات الحليفة للقيام بعمليات إرهابية ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية، بل إن إيران تستطيع استخدام عملائها لمهاجمة سفارات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا أو أمريكا الجنوبية. والحكمة التقليدية هي أن مثل هذه الإجراءات شديدة الأذى، بالقدر الذي لا تستطيع معه سياسة الولايات المتحدة الخارجية ومؤسستها العسكرية المجازفة بتحمّله.

التقديرات المتشائمة للثقل النسبي تتضمن، بصفة عامة، ضربة عسكرية أمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية. وفي ظل هذا السيناريو، تتم الموازنة بين تدمير المنشآت النووية الإيرانية من جهة ورد الفعل الإيراني المحتمل من جهة أخرى. ربما تثأر إيران لنفسها عبر الإجراءات المذكورة أعلاه، ولكن الولايات المتحدة وشركاءها لا يملكون ضمانة لإنهاء مساعي إيران النووية باستخدام القوة العسكرية، إذ إن المنشآت النووية ذات الصلة ربما لا تكون جميعها معروفة، بل إن المنشآت المعروفة نفسها ربما لا يتم تدميرها تدميراً تاماً. وكذلك فإن من الممكن بناء منشآت أخرى، وإعادة تأهيل البرنامج النووي الإيراني من جديد. وهذه هي الحجج التي تدفع الكثيرين إلى القول بأن خيار العمل العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية ليس من الحكمة في شيء.

 يمكن القول إن التقديرات الأكثر تشاؤماً بشأن الثقل النسبي غير صحيحة. وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة تمتلك معظم أوراق الفوز، وذلك لحقيقة أساسية واحدة، هي ضعف إيران العسكري التقليدي. لقد ذهب كثيرون إلى أن تراجع نيكيتا خروشوف إبان أزمة الصواريخ الكوبية لم يكن بسبب تدني مقدرة السوفييت النووية، وإنما بسبب تفوق البحرية الأمريكية في البحر الكاريبي. كذلك يمكن القول بأن الأسرة الدولية امتنعت عسكرياً عن إيقاف البرنامج النووي لكوريا الشمالية بسبب القوة التقليدية لكوريا الشمالية في شبه الجزيرة الكورية، أي قدرتها على قصف سيؤول، وربما اجتياحها، في أي صراع تقليدي.

 أما إيران فلا تمتلك مثل هذه الخيارات التقليدية المثيرة. فمن الممكن لإيران أن توقف أو تهدد الملاحة في الخليج العربي، ولكن القوات البحرية والجوية الأمريكية قادرة تماماً وبسرعة على استعادة حرية الملاحة وإحباط أي هجوم بحري إيراني محتمل، حتى ولو استخدمت فيه تكتيكات غير تقليدية كالهجمات الانتحارية بواسطة الزوارق المحملة بالمتفجرات، أو صواريخ كروز الساحلية أو الألغام. وبفضل ترسانة نووية كبيرة وقوة تقليدية تعتبر الأقوى  في العالم، تتفوق الولايات المتحدة على إيران بـ"هيمنة تصعيدية" تامة، ويقصد بذلك القدرة على التغلب على إيران عسكرياً، بصرف النظر عن التكتيكات أو الأسلحة المستخدمة. فالولايات المتحدة قادرة على السيطرة على كل خطوة من خطوات سُلَّم التصعيد.

 تسعى إيران لحيازة سلاح نووي لتأكيد موقفها كقوة عظمى في الخليج، وبحر قزوين وآسيا الوسطى. وهي تريد أن تكون قادرة على أن تعلو درجة في سلَّم التصعيد إذا حاولت إحدى جاراتها التطاول على مكانتها في الخليج. ووفقاً لرؤية إيران، فإن القدرة على تصعيد المشكلة إلى المستوى النووي، سترفع المخاطر بالنسبة إلى الولايات المتحدة وستوفر لإيران قدراً من الحماية ضد التدخلات الخارجية، الأمر الذي كانت تفتقر إليه في الماضي. ولكن أياً كان الأمر، فإن فقدان الأمل في أن تصير إيران قوة نووية لن يكون فقط فاجعاً لها، وإنما سيترك إيران في وضع استراتيجي أسوأ مما هو عليه الآن.

 لعل ما تتميز به الولايات المتحدة من ثقل أساسي ضد إيران ليس القدرة على ضرب المنشآت النووية، وإنما قدرة الولايات المتحدة على أن تدمر في نهاية الأمر كل الترسانة العسكرية التقليدية التي تمتلكها إيران. فإيران تخشى فقدان أسلحتها التقليدية أشد من خشيتها فقدان منشآت تخصيب اليورانيوم أو المكونات الأخرى لبرنامجها النووي. إن القوة التقليدية هي التي تمكن إيران من ممارسة نفوذها إقليمياً، واحتفاظها بقوة تقليدية فعالة ضد جاراتها مسألة ضرورية إذا أرادت أن تظل قوة في الخليج ومنطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى، وسيكون فقدانها كارثة على إيران إذا حدث.

 لذا يمكن القول بأنه إذا قرّر الرئيس الأمريكي وقف البرنامج النووي الإيراني عسكرياً، فإن الوسيلة الأشد فاعلية لتحقيق ذلك الهدف أن يشن  أو يهدد بشن ضربة ضد ترسانة إيران العسكرية التقليدية. ويكاد يكون يقيناً أن إيران ستقبل وضع نهاية يمكن التحقق منها لبرنامج تخصيب اليورانيوم، وتتعهد بالتخلي عن أي محاولة لبناء سلاح نووي، إذا ووجهت بتهديد يتضمن فقدانها لزوارقها الصغيرة وسفنها الكبيرة في الخليج وبحر قزوين، وفي النهاية فقدان جميع طائراتها الحربية.

 ومما سيضاعف من مخاوف إيران، احتمال فقدانها السيطرة داخلياً إذا تم تدمير ترسانتها التقليدية المكونة من دبابات ومروحيات حربية وآليات يمكن استخدامها لأغراض السيطرة الداخلية. ولا شك أن فقدان هذه المعدات القتالية سيُشجِّع الأقليات المتململة داخل إيران على تحدي النظام. فقد أظهرت الأقليات الكردية والعربية والآذرية والبلوشية في إيران قدراً متبايناً من التذمر في الآونة الأخيرة. وهذه الأقليات لن تلتف بالضرورة حول النظام إذا دمرت القوات الأمريكية قدرات إيران التقليدية.

 وفيما يخص البرنامج النووي الإيراني، شأنه شأن أزمة الصواريخ الكوبية، فإن الحل الأقرب يكمن في موازنة القوات التقليدية وليس النووية. وفي هذه الحالة لا يكون لإيران ثقل يذكر، مقارنة بالقدرات العسكرية التقليدية الرهيبة التي تملكها الولايات المتحدة.

Share