توني بلير: ذكرى ملطخة بحرب العراق

د. عادل رشيد: توني بلير: ذكرى ملطخة بحرب العراق

  • 27 مايو 2007

في الثاني من مايو/أيار1997 أصبح "توني بلير" رئيساً لوزراء بريطانيا للمرة الأولى، وفي اليوم نفسه من العام 2007، أي بعد عشر سنوات بالضبط، أعلن عزمه على التنحي عن هذا المنصب في غضون بضعة أسابيع لصالح أقوى منافسيه في حزب العمال الحاكم، وزير المالية "جوردون براون"، ليضع بذلك حداً للجدل المثار في الساحة السياسية البريطانية حول موعد تخليه عن السلطة قبل نهاية فترته الثالثة في الحكم، والتي كان من المفترض أن تمتد حتى ربيع العام 2010، بعد تاريخ طويل حمل في طياته تجارب قاسية لشخص مهووس بمكانته التاريخية.

ورغم حالة الزخم التي رافقت نجاح "بلير" السياسي خلال السنوات الأولى من حكمه، إلا أن هذا النجاح سرعان ما انحسر بشكل كبير حتى تلاشى بعد عشر سنوات من وجوده بالسلطة، ويمكن إدراك ذلك بسهولة من خلال ما نشره الإعلام الدولي من انتقادات لاذعة لزعامته في هذه الفترة، فلم تشفع له الإنجازات التي حققها خلال فترة إقامته في 10 داونينج ستريت، في تغطية الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها، لاسيما ما يتعلق بمشاركته في الحرب غير المشروعة ضد العراق، والتي أخفق "بلير"، المعروف ببراعته الخطابية، في تبريرها والدفاع عنها عقب إعلان قراره بالتنحي، قائلاً: "أقسم بأنني فعلت ما اعتقدت أنه الصواب"؛ حيث شن الإعلام البريطاني انتقادات قوية على هذه الحرب وعلى فترة حكمه التي وصفتها صحيفة "ذي مورنينج ستار" بأنها "ذكرى مسطرة بالدماء" أو "تاريخ مداده الدم"، كما وصف "ريتشارد ليتلجون" في صحيفة "الديلي ميل" إعلان "بلير" قرار التنحي بأنه "القناع الأخير لعيون دأبت على الكذب".

 لقد جاء "بلير" قبل عشر سنوات إلى  السلطة ممتطياً موجة من التأييد الشعبي ليس فقط في داخل بريطانيا ولكن أيضاً من خارجها. وبعد أن أجرى تغييرات بارعة في بنية حزب العمال، قاد الحزب لتحقيق نصر ساحق في انتخابات عام 1997، واضعاً بذلك حداً لحكم حزب المحافظين الذي استمر لمدة 18عاماً. كما أصبح "بلير" نفسه أصغر شخصية تشغل منصب رئيس الوزراء منذ "لورد ليفربول" عام 1812؛ حيث لم يتجاوز عمره حينذاك الثالثة والأربعين.

وفور توليه المنصب تعهد "بلير" بأن تحقق حكومته الجديدة الازدهار لبريطانيا، وأن تدافع عن مصالح الطبقة العاملة، وتعزز من الشفافية عبر إخضاع الحكومة لمزيد من المساءلة، واستعادة هيبة بريطانيا على الساحة العالمية. وقد تحقق بالفعل الكثير من هذه الشعارات والأهداف على المستوى المحلي، بشكل جعل "بلير" الزعيم الوحيد من حزب العمال الذي يفوز بثلاث فترات انتخابية متتالية.

من حق "بلير" أن يفخر بالإنجازات التي حققها، فقد تمكن أولاً من تحقيق السلام والمصالحة في أيرلندا الشمالية التي كان يعمها القلق والتوتر. وهذا إنجاز رائع بدا أنه وضع حداً لسلسلة مأساوية من الصراع والعنف استمرت قرونا من الزمن. وقد توجت مساعيه التي لا تكلّ في هذا الصدد بدعوته مؤخراً إلى  إعادة هيكلة صيغة الحكم الذاتي في أيرلندا الشمالية مع زعيم الحزب الديموقراطي الوحدوي "اين بيسلي" و"مارتن ماكجينيس" أحد قادة الجيش الجمهوري الأيرلندي السابقين "شين فين"؛ حيث اشتركا معاً في تشكيل حكومة وسلطة واحدة.

وفي عهد "بلير" أصبح لاسكتلندا برلمان خاص بها، ولويلز مجلسها التشريعي، وتم تقليص نظام توارث العضوية في مجلس اللوردات بشكل نسبي. كما خرج "بلير" ببلاده من العزلة التي فرضها قبله حزب المحافظين، وذلك حين أيد سياسة توسيع الاتحاد الأوروبي ليضم دول وسط وشرق أوروبا، التي كانت تتبع سابقاً الاتحاد السوفيتي، وناصر فكرة بناء أوروبا قوية من دون أن يشكل ذلك تهديداً للتحالف القائم بين ضفتي الأطلنطي.

علاوة على ذلك، فقد تمكن "بلير" من إخراج بريطانيا من حالة كساد اقتصادي دامت طويلاً، وذلك بفضل سياساته الاقتصادية المتوازنة التي رفعت معدلات النمو الاقتصادي في خامس أكبر اقتصاد في العالم؛ حيث سمحت حكومته للبنك المركزي البريطاني بتحديد نسب الأرباح بدون تدخلات سياسية، الأمر الذي ساعد البنك في القضاء على التذبذبات السابقة في الاقتصاد البريطاني. كما كان لاستحداث سياسة الحد الأدنى للأجور الفضل في تحقيق فترة غير مسبوقة من النمو الراسخ والبطالة المتدنية.

 ومع ذلك فقد تعرضت السياسات الاقتصادية لحكومة "بلير" لانتقادات عديدة بسبب تزايد عجز ميزان المدفوعات، وارتفاع مديونيات الحكومةً. ورغم استثمار مبالغ ضخمه من الأموال على الخدمات الصحية والتعليمية، فقد وردت تقارير مختلفة تشكك في التقدم الذي تم إحرازه في هذين القطاعين. كما تشير بعض الانتقادات إلى  أن حكومة "بلير" خرجت عن مسارها وسياستها الرامية على تشجيع سياسة الإعانات الاجتماعية. بل إن هناك من يرى أن السياسات التي انتهجتها الحكومة قوضت الرخاء الاقتصادي والاجتماعي طويلي الأجل في البلاد.

غير أن تأييد "بلير" للحرب ضد العراق بقيادة الولايات المتحدة، ولجوئه إلى  التلاعب بالمعلومات الاستخباراتية المهمة لتبرير هذه الحرب، كانا أكثر العوامل انتقاداً في سياسته، بل واعتبرهما كثيرون السقطة الكبرى التي وقع فيها "بلير" ولطخت تاريخه السياسي للأبد؛ حيث راح بلا حياء أو خجل يقلد السياسة الخارجية للرئيس "بوش" تقليداً أعمى لدرجة أن الصحافة العالمية أطلقت عليه  وصف "كلب بوش الوفي"، كما أدى قيامه بتزييف وتضخيم تقارير الاستخبارات البريطانية أمام الرأي العام من أجل إقناعه بتأييد الحرب ضد العراق في خريف عام 2002 إلى تقليص ثقة الشعب البريطاني في زعيمه بصورة كبيرة.

لقد تكشفت أكاذيب "بلير" بشكل واضح للرأي العام، فالزعم الرئيس له بأن العراق في مقدوره إطلاق أسلحة دمار شامل خلال 45 دقيقة فقط ثبت أنه تزييف للحقيقة ومجرد "فبركة". وكذلك تأكيده أن حكومة العراق سعت بشكل حثيث للحصول على اليورانيوم من النيجر اتضح أنه زيف وبهتان. وقد ظهر ميل "بلير" الواضح لإخفاء حقائق حرب العراق بشكل جلي في قضية "مذكرة داونينج ستريت" الشهيرة. ففي هذه الوثيقة التي تم تسريبها ذكر رئيس دائرة الاستخبارات السرية البريطانية "أن المعلومات الاستخبارية والحقائق المتعلقة بحرب العراق كان يتم تفصليها بحسب السياسة التي يريدها بلير"، وإن كان الأخير قد أنكر تماماً أن تكون هذه المذكرة كشفت عن أي نية مسبقة لشن الحرب على العراق.

وهكذا فقد كان غزو العراق عام 2003 بداية الأفول التدريجي لنجاحات "بلير" السياسية، وحتى عندما كسب حزبه الانتخابات الثالثة عام 2005، فإنه لم يحظ سوى بأكثر قليلاً من ثلث أصوات المقترعين، قبل أن تتجه شعبيته نحو مزيد من التراجع المستمر، ففي شهر مايو/أيار 2006 نشرت صحيفة "ذي ديلي تليجراف" نتائج استطلاع للرأي أوضح أن نسبة تأييد "بلير" تقلصت إلى 26% وهو ما جعله أقل رئيس وزراء عمالي شعبية بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي جعل أعضاء حزب العمال يمارسون الضغوط عليه للاستقالة وتسليم السلطة إلى "جوردون براون"، حتى لا يتعرض الحزب لخسائر كبيرة خلال الانتخابات القادمة، ما دفع "بلير" إلى الإعلان عن تنحيه عن السلطة، مشيراً إلى أن آخر يوم له كرئيس للوزراء سيكون 27 يونيو/حزيران 2007. 

ولم تكن حرب العراق وحدها هي التي أفقدت "بلير" شعبيته رغم أنها العامل الأهم، وإنما كانت هناك عوامل أخرى من بينها امتناعه عن وصف القصف الاسرائيلي للبنان عام 2006 بأنه غير متكافىء وعدم مطالبته بوقف مبكر لإطلاق النار من أجل حل الأزمة. كما واجه اتهامات تتعلق بالنزاهة والشفافية، وذلك على خلفية الجدل المثار حول قيامه بمنح رتبة النبلاء للمتبرعين لصالح حملة انتخابات حزب العمال، وهي القضية التي تم فيها توجيه الاتهامات لعناصر قريبة من "بلير"، فيما بدأ يثور الجدل حول تورطه هو شخصياً فيها، الأمر الذي قد يزيد من الصورة غير الكريمة لطريقة خروجه من السلطة ويقوض من سمعته.

ويرى منتقدو "بلير" المتشددون أن إنجازاته المحدودة لا تشفع له ما ارتكبه من أخطاء جسيمة، خصوصاً قراراه الشائن بالاشتراك في حرب العراق، وهو القرار الذي راح ضحيته الملايين، فهذه الأخطاء قللت بدرجة كبيرة من شأن إنجازاته. كما أدت تبعيته الخنوعة لسياسة "بوش" وغياب الشفافية وفضائح الفساد إلى تقويض سمعته والتأثير سلباً على مكانته. ويرى بعض هؤلاء أن حزب العمال لم يكن هو الذي أجبر "بلير" على التنحي، ولا حتى الحركة المناهضة للحرب،  بل إن "بلير" نفسه هو الذي قرر أن يتنحى حتى يتفادى المزيد من الإهانة. وربما تحمل هذه الاتهامات قدراً من المغالاة، ولكننا لا نستطيع إنكار صحتها تماماً.

ولعل السؤال المهم الذي يٌطرح الآن، هو: كيف يمكن لـ "براون" أن يتخلص من شبح "بلير"؟ فرغم وضعه حالياً بصفته "الوريث المعلن"، فإن هناك اعتقاداً سائداً بأن وزير المالية السابق ليس لديه حضور "بلير" أو تأثيره على الجماهير ولا غيره من مشاهير الساسة. وإضافة إلى أن "براون" قضى فترته في الحكومة بالتزامن مع رئاسة "بلير" لها، وبالتالي فربما ينظر إليه على أنه شاهد بل ومشارك في كثير من سياسات "بلير" الفاشلة. ورغم أن "براون" حاول دائما أن يبعد نفسه قدر الإمكان عن رئيس وزراء بريطانيا؛ حيث قام بتوجيه انتقادات ضمنية لنمط سياسات الزعيم السابق واعترف بأنه تم ارتكاب أخطاء في حرب العراق، إلا أنه رفض مؤخراً أي انسحاب فوري للقوات البريطانية من العراق، كما رفض إجراء أي تحقيق في هذه الحرب، رغم مطالبة بعض أعضاء حزب العمال مراراً بإجراء ذلك التحقيق والقيام بانسحاب سريع للقوات البريطانية من العراق. وسيحاول "براون" على ما يبدو أن يستوعب الانطباعات والتوجهات المختلفة داخل حزبه قبل اتخاذ موقف واضح في هذا الشأن. وقد يتأنى بعض الشيء في التخطيط لاستعادة حزب العمال نشاطه وقوته استعداداً للانتخابات العامة في ربيع عام 2010، وانتظاراً لذلك ليس في مقدور أحد في العالم أن يتوقع كثيراً من التغيير في سياسة بريطانيا الخارجية.

Share