تونس: مساعٍ لتحييد المساجد عن الاستغلال السياسي

  • 19 ديسمبر 2018

في إطار استعداد تونس لخوض تجربة ثاني انتخابات رئاسية في نهاية عام 2019، تستعد الحكومة لمنع انخراط المساجد في الدعاية الانتخابية، باعتبار ذلك يشكل عائقاً أمام المسار الانتخابي، فإلى أي حدّ ستشكل تلك الخطوة ضماناً للشفافية الانتخابية؟
تبدو العراقيل والتحديات التي تواجهها تونس متعددة ومتشعبة، وإن كان أبرزها التحدي المتعلق بانعدام الأمن، نتيجة استمرار التهديدات الإرهابية في المناطق الحدودية، إضافة إلى وجود الخلايا الإرهابية النائمة في المدن الكبيرة، فضلاً عن هشاشة الظروف الاقتصادية وما يرتبط بها عادة من احتقان اجتماعي ناجم عن زيادة نسبة العاطلين عن العمل وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية وبطء عجلة النمو بشكل عام.
ومما يزيد وطأة تلك الظروف استمرار الأزمة السياسية داخل التشكيلات المكونة للحكومة، من جراء اختلاف رؤاها الاقتصادية ونظرتها إلى معالجة المشاكل، وتناقض مواقفها تجاه العديد من القضايا المتعلقة بآلية الحكم وطرق معالجة الأزمات الاجتماعية وطريقة إدارة ملف العلاقات الخارجية والحصول على التمويلات. وهي كلها خلافات يتوقع المراقبون أن ترتفع حدتها مع قرب تنظيم الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام المقبل.
وإذا كانت النخبة السياسة التونسية قد استطاعت لحد الآن تجاوز بعض الأزمات المتعلقة بالتنمية بشكل مؤقت، فإن ثمة قضايا ملحة لا يمكن تجاوزها حالياً، وهي تلك المتعلقة باستغلال المساجد من طرف بعض التيارات السياسية لتحقيق مكاسب سياسية. الأمر الذي بات اليوم يشكل مصدراً أساسياً للخلاف بين التيارات الليبرالية واليسارية والتيارات الدينية التي ترى أن دور المساجد يتجاوز تأدية الشعائر إلى أدوار أخرى.
وقد تدخلت الحكومة التونسية لحل ذلك الخلاف، حيث جاء في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية عن أحمد عظوم وزير الشؤون الدينية في تونس، الاثنين الماضي، أن وزارته عاكفة على إعداد خطة للحفاظ على «حياد المساجد» في الانتخابات المقررة نهاية العام المقبل، وذلك بهدف جعلها بمنأى عن الحملات الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. وهي تجربة سبق لوزارة الشؤون الدينية التونسية أن نجحت في القيام بها في أثناء الانتخابات البلدية التي جرت في شهر مايو الماضي 2018.
وتأتي هذه الخطوة – بحسب الأخبار المتداولة- استجابة لشكاوى بعض الأحزاب السياسية المحسوبة على التيار اليساري والليبرالي من توظيف ممنهج للفضاءات الدينية من قبل الأحزاب الإسلامية في أثناء حملاتها الانتخابية واتهامها بحشد أصوات المساجد.
وفي تصريحات نقلتها بعض وسائل الإعلام الدولية عن مصدر حكومي تونسي، فإنه يجري حالياً الإعداد لميثاق أخلاقي لأئمة المساجد حتى يحافظوا على حيادهم في مهامهم، موضحاً أن الوزارة ستقوم بدورات تكوين وتأطير للأئمة بجانب المراقبة الدائمة للفضاءات الدينية.
بعض مراقبي الساحة السياسية التونسية يوجهون أصابع الاتهام لحركة النهضة الإسلامية بتوظيف أذرعها لاستغلال المساجد قصد الترويج لخطابها، مستغلة بذلك العاطفة الدينية لدى عامة التونسيين، وهو ما يخرج دور العبادة عن دورها الرئيسي في التوجيه والإرشاد العام في سياق ديني بحث.
كما يرى هؤلاء أن مرحلة الانفتاح وإطلاق المجال للحريات السياسية الذي تعيشه تونس منذ 2011 جلب معه العديد من السلبيات، من بينها استغلال بعض المتشددين لهذا المناخ للترويج لأفكارهم عن طريق المساجد -التي باتت خارج رقابة الحكومة- بعد سقوط بن علي، وهو ما دفع حركة النهضة إلى استغلال هذا الفضاء وتوجيهه لصالحها، في الوقت الذي وجد فيه بعض المتشددين الفرصة لمهاجمة رموز التيار الليبرالي دون الخضوع للمساءلة.
وكانت الحكومة التونسية قد اتخذت في يناير 2015 قراراً بإغلاق عدد من المساجد التي وصفتها بالخارجة عن السيطرة، وقالت في وثيقة رسمية نشرتها آنذاك أن تلك المساجد تسهم في نشر الفوضى والانفلات الأمني وعرضة للاختراق، وتتخلف عن الإسهام في بناء المشروع الوطني.

Share