تونس.. تطوُّرات سياسية مُثيرة تضع البلاد على حافة المجهول

  • 19 يوليو 2020

أسفرت التطوُّرات السياسية المتلاحقة التي شهدتها تونس عن سقوط حكومة إلياس الفخفاخ، الأمر الذي يضع البلاد أمام العديد من السيناريوهات، أكثرها احتمالاً عقد انتخابات برلمانية جديدة؛ لكن هذه الانتخابات قد لا تفرز، كسابقاتها، أغلبية حاسمة لحزب ما، وهو ما سيضع تونس أمام مشكلة فراغ حكومي، قد تكون أقسى من نظيرتها التي شهدتها البلاد عقب الانتخابات السابقة.

شهدت تونس، خلال الأسبوع الماضي، حزمة من التطوُّرات السياسية المُثيرة المتلاحقة، انتهت يوم الأربعاء الماضي بتقديم رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ استقالته. وقد جاءت هذه الاستقالة لتقطع الطريق على محاولة حركة «النهضة» سحبَ الثقة من الحكومة، وبالتالي الزجّ بالبلاد في أتون أزمة سياسية كبرى؛ إذ إن استقالة الفخفاخ، بعد طلبٍ من الرئيس التونسي قيس سعيّد، ستُعيد المبادرة مرة أخرى إلى قصر قرطاج؛ حيث يُعطي الدستور التونسي الصلاحيات الكاملة للرئيس في هذه الحالة لاختيار الشخصية القادرة على إدارة الحكومة من دون العودة إلى البرلمان، وفق الفصل 97 من دستور عام 2014.

وكان البرلمان التونسي قد اعتمد، قبيل استقالة الفخفاخ، لائحة سحب الثقة من الحكومة بـ 105 أصوات، وتضمَّنت اللائحة إمضاءات لكل من كتلة «النهضة» و«قلب تونس» و«ائتلاف الكرامة» و«المستقبل» والنواب المستقلين، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام محلية تونسية. ولو كانت حركة «النهضة» قد نجحت في مسعاها لسحب الثقة من حكومة الفخفاخ، فإن ذلك كان سيعني أن تعود إليها مبادرة تعيين رئيس حكومة جديد.

وفي إطار هذه التطوُّرات المتلاحقة، أصدر إلياس الفخفاخ قراراً بإعفاء وزراء حكومته المنتمين إلى حركة «النهضة» – وهي الحزب صاحب التمثيل البرلماني الأكبر – من مناصبهم؛ وذلك بعد ساعات من تقديم استقالة حكومته للرئيس التونسي قيس سعيّد. وقد انتقدت «النهضة» بشدةٍ قرار الفخفاخ، واعتبرته نوعاً من العبث بالمؤسسات، وتصفية الحسابات. وبحسب قرار الفخفاخ المنشور مساء الأربعاء الماضي، في الصفحة الرسمية للحكومة التونسية على «فيسبوك»، فقد تقرّر إعفاء وزير الدولة للنقل واللوجستيك محمد الأنور معروف، ووزير الصحة عبداللطيف المكي، ووزير الشؤون المحلية لطفي زيتون، ووزير التجهيز منصف السليطي، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم شورى، ووزير الشباب والرياضة أحمد قعلول. وقرّر الفخفاخ، باعتباره رئيس حكومة تصريف الأعمال، تكليف الحبيب الكشو بمهام وزير الصحة، وفاضل كريم بمهام وزير النقل، وغازي الشواشي بمهام وزير التجهيز، وأسماء السحيري بمهام وزيرة الشباب والرياضة، وشكري بلحسن بمهام وزير الشؤون المحلية، ولبنى الجريبي بمهام وزيرة التعليم العالي.

وفي الواقع، فإن هذه التطوُّرات السياسية المتلاحقة، التي شهدتها تونس، وأسفرت عن سقوط حكومة إلياس الفخفاخ التي تمَّ تشكيلها بشقّ الأنفس واستمرت نحو 5 أشهر فقط بسبب تناحُر القوى السياسية، تضع البلاد أمام العديد من السيناريوهات، أكثرها احتمالاً عقد انتخابات برلمانية جديدة؛ حيث إن رئيس الجمهورية، بعد مشاوراتٍ مع الكتل السياسية، سيُرشّح إحدى الشخصيات لتولي مهمة تشكيل الحكومة، وسيكون أمامه مدة شهر لإنجاز هذه المهمة، وبعد ذلك يجب أن تحظى هذه التشكيلة بموافقة البرلمان، وهو أمر قد يبدو مستبعداً في ظل طبيعة الحراك السياسي الذي تعيشه تونس حالياً. وهنا ستذهب البلاد نحو انتخابات جديدة، لكن هذه الانتخابات قد لا تُفرز، كسابقاتها، أغلبية حاسمة لحزب ما، وهو ما سيضع تونس أمام مشكلة فراغ حكومي جديدة، قد تكون أقسى من نظيرتها التي شهدتها البلاد عقب الانتخابات السابقة، بالنظر إلى الانقسامات الكبيرة بين القوى السياسية العاملة على الساحة السياسية منذ هذه الانتخابات، وفشَل هذه القوى في التوافُق على برنامج عمل وطني، بل تربُّصها ببعضها بعضاً، ومناكفاتها المستمرة.

ومما لا شكّ فيه أن هذا الوضع السياسي، الذي أفرزه الانقسام والصراع بين القوى السياسية، وما ينتظر تونس من حالة عدم اليقين السياسي، واستمرار هذا الصراع واحتمال تفاقمه، كل ذلك يُفرز تأثيرات سلبية شديدة في عملية الانتقال الديمقراطي التي تعيشها تونس عقب ما يُسمّى «ثورة الياسمين»، التي أطاحت نظامَ الحكم السابق بقيادة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، ويضر كثيراً بنموذج هذا الانتقال الذي يُقدَّم باعتباره الأنجح، أو بمعنى أدق «الوحيد» مقارنةً بكل دول ثورات ما يُسمى «الربيع العربي» الأخرى.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات