تونس.. «النهضة» تحاول الهروب إلى الأمام عبر تغيير حكومي شامل

  • 15 يوليو 2020

قررت حركة النهضة التي تمتلك حصة أغلبية محدودة في البرلمان التونسي سحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ وذلك في مسعى إلى تخفيف الضغوط، التي تُواجهها من عدد من الأحزاب السياسية المُمثلة في برلمان البلاد، من خلال الهروب إلى الأمام وخلط الأوراق، خصوصاً بعدما أعلن الفخفاخ نيته إجراء تعديل حكومي هدفه إقصاء وزراء الحركة من حكومته.

 

هذا القرار اتخذه مجلس الشورى الخاص بالحركة بعد أيام من تكليفه رئيسها راشد الغنوشي التفاوضَ مع رئيس الدولة قيس سعيّد حول تشكيل حكومة جديدة، وإعلانه أنّ حكومة إلياس الفخفاخ التي تضمّ ائتلافاً من 4 أحزاب رئيسية وكتلة برلمانية واحدة، هي: النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة «تحيا تونس»، وكتلة الإصلاح الوطني، سقطت أخلاقياً؛ وذلك على خلفية قضية تضارُب المصالح، التي مسّت مصداقيتها وزعزعت الثقة التي كانت تحظى بها.

هذا الموقف بنَته حركة النهضة على تقرير لهيئة مكافحة الفساد الحكومية صدر في نهاية شهر يونيو الماضي، وتحدّث عن وجود شبهة تضارُب مصالح للفخفاخ بشأن امتلاكه أسهماً في شركات تتعامل مع الدولة تجارياً، وأبرمت معها صفقات، وهو أمر محظور قانوناً، وهي الشُّبهات التي نفاها رئيس الوزراء خلال الجلسة التي عقدها البرلمان مؤخراً لمناقشة الموضوع، والتي تمخّضت عن قرار بتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في تلك الاتهامات، يُفترَض أن تصدر تقريرها النهائي في غضون 3 أسابيع من تاريخ تشكيلها.

غير أنّ الخلافات بين «النهضة» والفخفاخ لم تقتصر على موضوع الاتهامات في قضية تضارُب المصالح، بل تجاوزت ذلك إلى اعتقاد الحركة أن رئيس الوزراء يريد احتكار القرار بشأن التشكيل الحكومي ومدى حاجته إلى تعديل أو تغييرات، خصوصاً بعد أن رَفَض مقترحها بتوسيع الائتلاف الحاكم، وطالبها بالاقتناع بالائتلاف الراهن ودعمه.

وصعدت الحركة قبل أيام الضغط على الحكومة، عندما دعت على لسان رئيس مجلس الشورى عبدالكريم الهاروني، رئيس الوزراء إلى الاستقالة لإتاحة الفرصة أمام تشكيل حكومة تتمتع بقاعدة سياسية برلمانية واسعة، وتحقق الاستقرار في الحكم، وتكون قادرة على حل مشكلات تونس الحقيقية، والابتعاد بها عن الصراعات الحزبية والأيديولوجية.

ويبدو أن حركة النهضة تحاول، من خلال هذه التحرُّكات، التشويش على المحاولات الهادفة إلى الحد من نفوذها السياسي، التي تبلورت مؤخراً بصورة مساعٍ لسحب البساط من تحت قدميها عبر فتح جبهتين ضدها، تمثّلت الأولى في طرح الثقة برئيس الحركة راشد الغنوشي بصفته رئيساً للبرلمان، ومحاولات إقصائه من هذا الموقع؛ والثانية في محاولات تصنيف الحركة جماعة إرهابية، التي تمثلت في اقتراحات برلمانية وحملات إعلامية ومسيرات وتظاهرات أمام البرلمان؛ وذلك انطلاقاً من اعتبارها جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي.

وبرغم أن محاولات الحدّ من النفوذ السياسي للحركة، التي تقودها النائبة عبير موسى رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر، لم تفلح حتى الآن في انتزاع أي قرار أو توجّه جدّي وفاعل ضد «النهضة»؛ وذلك نظراً إلى محدودية تمثيلها البرلماني البالغ 16 مقعداً من أصل 217، مقابل 54 مقعداً لـ «النهضة»، إلا أنها تمكنت من إزعاج الحركة، والتشويش عليها، وتشتيت تركيزها، ودفعها إلى محاولة الهروب إلى الأمام نحو سحب الثقة بالحكومة، وهو ما قد يُحقق لها أحد هدفين؛ فإما أن يُعاد التشكيل وفقاً لطموحاتها ومُخططاتها، وبما يُتيح لها تولي زمام الأمور في البلاد، سواء بشكل مباشر أو من خلف الستارة، أو يُضعِف الجبهة المناوئة لها، التي تضم إلى جانب «الدستوري الحر» عدداً من الأحزاب الصغيرة الأخرى؛ عبر محاولة استمالة بعضها للدخول في ائتلاف حكومي، وبالتالي تفكيك هذه الجبهة.

المشهد في تونس من صراعات سياسية مستترة ومكشوفة، واعتصامات، ومشاريع لطرح الثقة، بات مفتوحاً على الكثير من الاحتمالات السياسية، بما فيها حلُّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، تتيح إما تشكيل حكومة من طيف واحد في حال حصول أيّ من الأحزاب السياسية على الأغلبية التي تُمكنه من ذلك، أو صعود قوى قادرة على تشكيل ائتلاف حكومي يتمكّن من الصمود وإدارة دفة الأمور في البلاد من دون أن يظل رهينة الانقسام والخلافات الحزبية.

Share