تونس: الصراع بين القوى السياسية يهدد عملية الانتقال الديمقراطي

تشهد تونس حراكاً كبيراً في خريطة القوى السياسية، في ظل بروز قوى وتحالفات جديدة، واختفاء قوى وانهيار تحالفات قائمة، وهذا الحراك مرشح للمزيد من التفاعل خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يثير الكثير من التساؤلات حول تأثيراته المحتملة على عملية الانتقال الديمقراطي التي تشهدها البلاد.

تحولات مهمة في خريطة القوى والتيارات السياسية، التي تتميز بدرجة عالية من السيولة السياسية، تشهدها تونس خلال المرحلة الحالية. وتثير هذه التحولات جدلاً كبيراً لجهة انعكاساتها على عملية الانتقال الديمقراطي التي تشهدها البلاد، والمتعثرة تحت وطأة الخلافات المستعرة بين هذه القوى وما تواجهه البلاد من تحديات اقتصادية تؤثر بشكل سلبي في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخدمية تجاه مواطنيها، وهذا الأمر يتسبب من فترة إلى أخرى في حدوث مظاهرات ووقوع حالات من الانفلات الأمني، وهذا الواقع لا يوفر المناخ المناسب لدعم عملية الانتقال الديمقراطي.

وقد ظهرت هذه التحولات على خلفية الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة التي شهدتها تونس العام الماضي، حيث حدت هذه الانتخابات من نفوذ الجبهة الشعبية، وهي ائتلاف يساري مكوّن من أكثر من عشرة أحزاب وتيارات، وهو ما حدث أيضاً مع حزب «نداء تونس»، الذي تصدّر انتخابات 2014، مقابل صعود تيارات وأحزاب وقوى جديدة منها حزب «قلب تونس» الذي يقوده نبيل القروي الذي خاض جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة ضد الرئيس قيس سعيد، و«ائتلاف الكرامة» المقرّب في خطابه السياسي وأطروحاته الفكرية من «حركة النهضة» و«الحزب الدستوري الحر». وتمثل هذه الأحزاب إضافة إلى «حركة الشّعب» و«التيار الديمقراطي»، و«تحيا تونس» الذي أسسه رئيس الحكومة السّابق والقيادي السابق في «نداء تونس» يوسف الشاهد، الخريطة الحزبية السائدة في تونس حالياً، التي تتميز بالتنافر والانقسام، حيث لا تجمع بينها رؤية موحدة، وهو الأمر الذي أدى إلى تعطل مسار تشكيل الحكومة الحالية لأكثر من أربعة أشهر.

وفي الواقع، فإن اللافت للنظر في التحولات التي شهدتها الخريطة الحزبية التونسية، يتمثل فيما حدث مع حزب نداء تونس، الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي عام 2012، وقدّم نفسه كمعارض شرس لتيار الإسلام السياسي المتمثل في «حركة النهضة»، وبعد سنتين فقط على تأسيسه، خاض الحزب الانتخابات البرلمانية عام 2014، وحصل على المرتبة الأولى بـ 86 مقعداً، ورشح السبسي إلى الانتخابات الرئاسية، وفاز في الدور الثاني بـ 55.68% من الأصوات، أمام منافسه المنصف المرزوقي بـ44.32% من الأصوات، ولكن الحزب سرعان ما شهد انقسامات وصراعات أدت إلى إضعافه بشدة، ومع رحيل مؤسسه بدأ في الانهيار، حيث تراجعت شعبيته بشدة وفقد ثقة الناخبين به، وهو ما كشفت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث حقق الحزب 4 مقاعد برلمانية فقط، ولكن يبدو أن الحزب عازم على العودة من جديد بشكل مؤثر، حيث أعلن قياديون فيه أنهم يستعدون لتنظيم مؤتمر استثنائي للحزب في شهر يوليو المقبل بالتزامن مع الذكرى الأولى لوفاة السبسي، وقال رئيس اللجنة المركزية والمنسق العام للمؤتمر، قاسم مخلوف، إن الحزب ينظم مؤتمره الاستثنائي يومي 26-27 يوليو، أي بعد يوم واحد فقط من ذكرى وفاة السبسي. وأوضح مخلوف خلال مؤتمر في معقل الحزب بمدينة المنستير، أن المؤتمر يهدف إلى تصحيح مسار الحزب وإعادة انتخاب قيادة جديدة على أن تسبقه مؤتمرات لانتخاب نواب المؤتمر. ولا شك أن تراجع حزب نداء تونس، ترك فراغاً كبيراً في الساحة السياسية، وهذا الفراغ يحاول سده «الحزب الدستوري الحر»، بقيادة عبير موسى، ويطرح الحزب نفسه كخصم شرس لحركة النهضة.

ويندرج ضمن التحولات والتطورات المثيرة التي تشهدها تونس خلال الفترة الحالية، تجديد حركة النهضة دعوتها لتوسيع المشاركة في حكومة إلياس الفخفاخ، ويتشكل الائتلاف الحاكم من حركة النهضة (التي يمثلها 54 نائباً في البرلمان) والتيار الديمقراطي (22 نائباً)، وحركة الشعب (5 نائباً)، وحزب تحيا تونس (14 نائباً) وكتلة الإصلاح (16 نائباً)، ولكن الفخفاخ يرفض توسيع الائتلاف الحاكم كما تطالب بذلك حركة النهضة، وقد صرح رئيس الحكومة السابق والقيادي في الحركة على العريض بأن النهضة تسعى إلى إقناع الفخفاخ بضمّ حزب «قلب تونس» وتوسيع التحالف البرلماني الداعم للحكومة حتى يشعر الجميع وأهمهم الفاعلون الاقتصاديون والمستثمرون الأجانب بأنها حكومة مستقرة، وذلك باعتبار أن «قلب تونس» يعدّ الحزب الثاني في البلاد.

ويبدو أن إصرار حركة النهضة على توسيع الحكومة، قد جاء على خلفية ما يشهده الائتلاف الحاكم من تصدع واضح خلال هذه الفترة، وهو ما ظهر جلياً، في الجلسة التي عقدها البرلمان مؤخراً حول ملف ليبيا، حيث صوت فيها حزب «تحيا تونس» و«حركة الشعب» المشاركين في الحكومة مع الحزب الدستوري الحر (المعارض) لمصلحة لائحة برلمانية تقدمت بها كتلة الحزب الدستوري الحر لرفض التدخل الأجنبي في ليبيا. وعلى خلفية هذا الموقف، رفضت حركة النهضة، توقيع وثيقة التضامن الحكومي. وقال راشد الغنوشي، رئيس البرلمان، إن حركة النهضة رفضت توقيع ميثاق التضامن الحكومي، بسبب عدم وجود تضامن بين أطراف الائتلاف الحكومي.

وقد تزامن تجديد حركة النهضة دعوتها لتوسيع الائتلاف الحاكم مع تصريحات إيجابية أدلى بها رئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، واعتبر فيها أن القانون الانتخابي في تونس يفرز نتيجة تحتم على الحزب الأول الحكم مع الحزب الثاني، وأن الاستقرار السياسي لا يتم إلا في حالة التوافق بين الحزبين الأول والثاني في البرلمان. وأكد القروي أنه عندما اتفق الحزب الأول مع الثاني (حركة النهضة وقلب تونس) على رئاسة البرلمان، نجح راشد الغنوشي في الفوز برئاسته، ونال «قلب تونس» نيابة رئيس البرلمان. وهذه التصريحات قد تؤشر إلى وجود رغبة لدى «قلب تونس» في الالتحاق بالتحالف الحاكم، على الرغم من الخلافات بينه وبين حركة النهضة، التي كانت قد أكدت قبل الانتخابات أنها لن تتحالف مع «قلب تونس» المحسوب بقياداته على عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، الذي أطاحته ثورة الياسمين.

ويتمثل أحدث تغيير في خريطة القوى السياسية التونسية، فيما يشهده حزب «تحيا تونس» الذي أسسه رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد سنة 2019 بهدف خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، حيث تقدم 3 نواب يمثلون الحزب في البرلمان باستقالاتهم من الكتلة البرلمانية، والنواب الثلاثة هم: مبروك كورشيد، والعياشي الزمال، وكمال العوادي، وكلهم من قيادات الصف الأول، وتبدو مشكلة الحزب أكبر من هذه الاستقالات الثلاث، حيث يبحث المكتب السياسي لحزب «المبادرة» تراجعه عن الانصهار الذي تم بينه وبين «تحيا تونس» قبل انتخابات السنة الماضية، في ظل تنامي الخلافات بين الحزبين، ويقول مراقبون لتحولات خريطة القوى السياسية في تونس، إن حزب «تحيا تونس» قد يتجه في المستقبل القريب إلى الالتحاق بكتلة «الحزب الدستوري الحر»، أو تشكيل حزب سياسي وسطي، منفتح على عدد من الأحزاب القريبة من مرجعيته الفكرية، مثل «حركة مشروع تونس»، وحزب «البديل التونسي».

وهكذا، فإن خريطة القوى السياسية التونسية التي تشهد حالياً جملة من التحولات، قد تشهد تحولات أعمق خلال الفترة المقبلة، باتجاه تشكيل كتلة معارضة أكثر قوة إذا ما تحالف حزب «تحيا تونس» مع «الحزب الدستوري الحر»، وهذا التحالف قد يجذب إليه حزب «نداء تونس» الذي قد يعود بشكل أقوى إلى الساحة السياسية لو استطاع إعادة تنظيم صفوفه من جديد، كما قد يجذب إليه بعض أطراف الائتلاف الحاكم الذي يشهد حالة من التصدع والصراع، وهذا الأمر هو ما يفسر السعي المحموم من قبل حركة النهضة لضم حزب «قلب تونس» إلى الائتلاف الحاكم، ولكن هذا المسعى يقابل بمعارضة من قبل رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ورئيس الدولة قيس سعيد، وفي جميع الأحوال، فإن حزب «قلب تونس» الذي يتزعمه نبيل القروي، قد يشكل رمانة الميزان أو المحرك الرئيسي للأحداث خلال الفترة المقبلة، فانضمامه للمعارضة قد يؤدي إلى انهيار الائتلاف الحاكم وإطاحة حركة النهضة خارج الحكم، أما إذا انضم إلى التحالف الحاكم، فسوف يؤدي ذلك إلى تشكيل تكتل برلماني داعم بشدة لحكومة الفخفاخ.

ويبقى القول إن حالة الحراك القوية التي تشهدها تونس فيما يخص خريطة القوى السياسية، قد تؤشر إلى مناخ سياسي صحي، وطبيعي في ظل المرحلة الحالية التي تمر بها تونس، ولكن من المهم أن تكون هناك حكومة تتمتع بأغلبية برلمانية وازنة، حتى تتمكن من القيام بالمهام المنوطة بها، كما أنه من المهم أن تكون هناك معارضة قوية تصحح مسار الحكومة، ولكن التنافر الشديد، وليس الاختلاف في المواقف والأفكار فقط، بين القوى السياسية الرئيسية في الساحة السياسية، له انعكاساته السلبية على مجمل العملية السياسية، وفي القلب منها عملية الانتقال الديمقراطي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات