توجُّه سلبي تاريخي لإيران تجاه الدول العربية

  • 31 ديسمبر 2015

كثيرة هي المناسبات التي أثبتت فيها إيران، من خلال مواقفها، أن مصالحها لا تتفق بأيِّ حال مع مصالح الدول العربية، وأن الثوابت والمبادئ التي تنطلق منها في تحديد تلك المواقف تختلف كثيراً، بل تتعارض، مع ما تنطلق منه مواقف الدول العربية. وما نراه الآن من تدخُّلات صريحة لإيران في بعض دول المنطقة هو دليل شاخص على ذلك، تماماً كما حدث في السبعينيات من القرن العشرين، عندما احتدم الصراع العربي-الإسرائيلي باندلاع حرب أكتوبر 1973؛ فبدا الموقف الإيراني معادياً للمصالح العربية، انطلاقاً من موقعها كحليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، والغرب عموماً، آنذاك.

فبينما تضامنت الدول العربية المنتجة للنفط، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، ودولة قطر، وكلٌّ من ليبيا والعراق والجزائر، مع دولتي المواجهة المباشرة مع إسرائيل، وهما جمهورية مصر العربية والجمهورية العربية السورية، وقطعت إمداداتها النفطيَّة عن الدول الداعمة -بشكل مباشر، أو غير مباشر- لإسرائيل، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا؛ فقد كان الموقف الإيراني مغايراً لذلك تماماً؛ بل إن إيران التي ادَّعت -ولا تزال تدَّعي- أنها تضامنت مع الدول العربية، وأنها شاركتها في قطع الإمدادات النفطية عن الدول الداعمة لإسرائيل، كان موقفها الحقيقي منافياً لذلك تماماً؛ حيث استمر نفطها يتدفَّق إلى تلك الدول من دون توقف. بل إن إيران سعت، آنذاك، إلى توظيف المعطيات الجديدة في سوق النفط لمصلحتها؛ فدعت إلى رفع أسعاره أكثر من مرة، ورفضت مقترَحاً كان يطالب بزيادة أسعاره بمقدار %15، وطلبت رفع نسبة الزيادة إلى %100، وبمجرد أن بدأت الدول العربية في إجراءات رفع الأسعار وحظر النفط، فقد أعلنت إيران مباشرة أنها مع هذه الدول فيما يخص المسائل التجارية فقط، مثل رفع الأسعار، أما تقليص الإنتاج، وحظر النفط، فهي لن تشارك فيهما أبداً، ورأت أن الأمر لا يخصُّها، بل إنها زادت إنتاجها النفطي إلى نحو ستة ملايين برميل يومياً عام 1974؛ ليبلغ أعلى مستوىً له على الإطلاق على مرِّ التاريخ؛ وذلك من أجل ملء الفراغ الذي تركته الإمدادات النفطية العربية بعد تراجعها.

وبهذه السياسة حققت إيران فائدة مزدَوَجة، باستفادتها من ارتفاع الأسعار، وتوسُّعها في الإنتاج في آنٍ واحد، ومكَّنها ذلك من تحقيق قفزة كبيرة في حجم ناتجها المحلي الإجمالي، وصلت إلى ارتفاعه من 15.8 مليار دولار قبيل حرب أكتوبر 1973 إلى 43.8 مليار دولار عام 1974، وإلى أكثر من 100 مليار دولار عام 1981؛ وقد كان للإيرادات النفطية دور جوهريٌّ في هذه الزيادة؛ إذ ارتفعت نسبتها إلى نحو %43 من الناتج الإيراني في ذلك الوقت، مقارنة بنحو %23 فقط في الفترات السابقة. أي أنه في الوقت الذي استخدمت فيه الدول العربية النفط سلاحاً سياسياً للدفاع عن أراضيها وأمنها القومي، وصيانة مصالح شعوبها؛ فإن إيران استخدمت النفط سلاحاً أيضاً، ولكن ضد مصالح الدول العربية وشعوبها. وبرغم كل ادِّعاءات إيران؛ فإن الحقائق دائماً ما تكشف عن زيف حججها الواهية، تماماً كما يحدث الآن من قبلها تجاه بعض الدول العربية. وتعبِّر هذه المواقف كلُّها عن حقيقة أن سياسة إيران تجاه الشعوب العربية لم تتغيَّر، ولن تتغيَّر، برغم كل ما تسوِّقه من حجج وادِّعاءات.

Share