توجهات الاستثمارات الخليجية في الخارج: الفرص والتحديات

  • 22 مارس 2012

تشكل عائدات الاستثمارات الخليجية في الخارج أهمية بالغة لتمويل الموازنات في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل خاص، وللاقتصاديات الخليجية بشكل عام، وذلك بفضل ضخامة عوائد هذه الاستثمارات، التي فاقت حجم العائدات النفطية لبعض الدول كما في حالتي الإمارات والكويت في فترات انخفاض أسعار النفط في منتصف الثمانينيات وأواخر التسعينيات من القرن الماضي.

وفي حقيقة الأمر، شهدت عائدات هذه الاستثمارات على مدى العقود الثلاثة الماضية تذبذباً واضحاً، وذلك وفقا لنوعية هذه الاستثمارات وحجمها من جهة، وتماشياً مع تقلبات الأسواق العالمية من جهة أخرى، إلا أن أشد هذه التذبذبات حدة وتأثيراً حدث أثناء الأزمة المالية العالمية الأخيرة، والتي تكبدت فيها هذه الاستثمارات خسائر كبيرة أدت إلى انخفاض أصولها بنسبة تجاوزت 50% في بعض الحالات.

ورغم ذلك، فإن تداعيات هذه الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي منذ عام 2008، شكلت فرصة جيدة لإعادة ترتيب الاستثمارات الخليجية في الخارج، ولاسيما في الاقتصاديات الكبرى المتضررة، فالأزمات المالية والاقتصادية الكبيرة تتيح، رغم العواقب السلبية المترتبة عليها، فرصاً كثيرة يمكن استغلالها في تنويع التوجهات الاستثمارية الخارجية وتعظيم درجة الاستفادة من هذه الاستثمارات، وبالأخص إذا ما امتلك المستثمر ما يسمى بقوة الاحتفاظ بالأصول "holding power"، كما هو الحال في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وصناديقها السيادية التي تملك مثل هذه القوة بفضل أوضاعها المالية والاقتصادية القوية.

ولاشك في أن أحد أهم الدروس المستخلصة من هذه الأزمة المالية والاقتصادية العالمية يتمثل في التوجه نحو إعادة النظر في تركيبة أصول الاستثمارات الخليجية وطبيعتها، ففي فترة ما قبل الأزمة تركزت معظم الأصول في القطاع المالي، على شكل ودائع وأسهم وسندات ومساهمات في محافظ صناديق الاستثمار عالية المخاطر"Hedge Fund"، التي عانت أكثر من غيرها بسبب الأزمة المالية، بل إن بعض هذه الصناديق كان طرفاً في الأزمة لاعتماده على المضاربة في المشتقات المالية عالية المخاطر. ولعل هذا ما يفسر سبب الانخفاض الكبير في موجودات الاستثمارات الخليجية في الخارج أثناء الأزمة، والتي أدت إلى خسارة نصف قيمة هذه الموجودات في بعض الصناديق السيادية في العديد من البلدان، قبل أن تستعيد جزءاً مهماً من هذه الخسائر مع تحسن الأوضاع المالية، إلا أن خسائر أخرى، كتلك الناجمة عن انهيار بنك "ليمان برذرز" في بداية الأزمة قد تحولت إلى خسائر حقيقية مع انهيار هذه المؤسسة المالية العريقة.

ومع بداية العقد الحالي والمتزامن مع تخطي بعض تداعيات الأزمة المالية التي حدثت في نهاية عام 2008، عمدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومؤسساتها الاستثمارية الرئيسية، ولاسيما الصناديق السيادية، إلى إعادة النظر في خارطتها الاستثمارية حول العالم من الناحيتين الهيكلية والجغرافية. ففي الجانب الهيكلي، تم التركيز على ضرورة الانتقال من الاستثمار في الأصول والمشتقات المالية إلى قطاعات الاقتصاد الحقيقي مستفيدة من انخفاض قيمة الأصول الرأسمالية، حيث ارتفعت حصص الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي عبر عمليات شراء الأصول بنسب كبيرة، فقد ارتفعت حصة الأصول العقارية في محفظة جهاز أبوظبي للاستثمار على سبيل المثال، وهو أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، إلى ما نسبته 10.5% من إجمالي محفظته الاستثمارية وفق تقرير الجهاز لعام 2010. ووسع الجهاز نشاطه في مجال البنى التحتية عبر شراء حصة في مطار "جاتويك" اللندني.

أما الصندوق السيادي لدولة قطر، فقد تحول في السنوات الثلاث الماضية إلى أكبر مستثمر أجنبي في قطاع العقارات البريطاني، وذلك بعد أن استحوذ على أصول عقارية مهمة وعريقة، كمتجر "هارودز" الشهير في العاصمة البريطانية لندن، في الوقت الذي تسعى فيه إلى الاستحواذ على سلسلة متاجر "ساينزبري" لتجارة التجزئة في بريطانيا. كما دخل الصندوق القطاع الصناعي بقوة عبر بوابة تملك مساهمات في شركتي "بورشه" و"فولكس فاجن" الألمانيتين في عام 2009.

أما في مجال التنوع الجغرافي، فإن الاستثمارات الخليجية في فترة ما قبل الأزمة كانت قد تركزت في البلدان الغربية بصورة أساسية، إلا أنها أصبحت أكثر تنوعاً جغرافيا في الفترة الحالية، ومرة أخرى، فإن جهاز أبوظبي للاستثمار وضمن توجهاته لتنويع استراتيجيته السابقة أعلن اعتزامه، وفقاً لتقارير صحفية، زيادة استثماراته المباشرة في سوق العقارات الهندية، إذ وصلت قيمة استثماراته في هذه السوق حتى الآن ما يتراوح بين 400– 500 مليون دولار.

وفي الوقت نفسه، وقّعت دولة الكويت اتفاقية مع شركة "ساينوبك" الصينية العملاقة للطاقة والبتروكيماويات وشركة "توتال" الفرنسية في الشهر الجاري لإقامة مجمع للبتروكيماويات بتكلفة 9 مليارات دولار في الصين، وذلك إضافة إلى الاستثمارات القطرية والسعودية الضخمة في السوق الصينية.

وعلى هذا، فإن الاستثمارات الخارجية الخليجية في فترة ما بعد الأزمة ستكون أكثر توازناً وحذراً من الناحيتين الهيكلية والجغرافية؛ فالبلدان الصاعدة، كالصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وروسيا تتوافر فيها فرص استثمارية كثيرة ومجدية وأقل مخاطرة؛ نظراً لاعتمادها على الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، على اعتبار أن أسواق البلدان الصاعدة لم تصب حتى الآن بلوثة المضاربة بالمشتقات المالية، والتي كانت سبباً رئيسياً للأزمة المالية الأخيرة.

ويتزامن ذلك مع التوقعات التي تشير إلى بقاء أسعار النفط مرتفعة، بل إنها قد تشهد لأسباب عديدة مزيداً من الارتفاع، إضافة إلى الزيادة المتوقعة في حجم الإنتاج، الأمر الذي سيوفر لدول مجلس التعاون الخليجي قدرات وفوائض مالية كبيرة للغاية يمكن تسخيرها لزيادة الاستثمارات الخليجية في الخارج مع الاستفادة من التجربة السابقة والتركيز بشكل خاص على القطاعات الحقيقية والتنوع الجغرافي لتجنب المخاطر قدر الإمكان.

وإذا ما تم ذلك، فإن عائدات الاستثمارات الخليجية الخارجية ستشكل عوناً كبيراً لدعم الأوضاع المالية في دول المجلس في حال تراجع أسعار النفط، كما أنها ستساهم في تنويع مصادر الدخل القومي، وبالتالي تخدم أحد أهم الأهداف الاستراتيجية التي تسعى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى تحقيقها ضمن تحضيراتها المستمرة لفترة ما بعد النفط، وذلك إلى جانب تنمية قطاعاتها الاقتصادية غير النفطية والتي حققت نسب نمو مرتفعة في العقدين الماضيين.

Share