توترات متزايدة في العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة

  • 18 مارس 2010

في 15 مارس/آذار، قدم 130 من المشرعين إلى وزير الخزانة الأمريكي، تيموثي غاينتر، رسالة من تنتقد سياسة اليوان، وتطالب بأن تُوسم الصين بأنها "متلاعب بالعملة". وكانت حجتهم، في هذا الصدد، أن الحفاظ على سعر صرف اليوان منخفضاً يساعد الشركات الصينية، ويعمل، بطريقة غير عادلة، في غير مصلحة المنافسين الأجانب. وقد ردت الصين خلال ساعات على هذا الادعاء قائلة بأن قوة اليوان – المرتبط بالدولار الأمريكي منذ منتصف عام 2008 – لم تكن سبباً في الفائض التجاري للصين. في هذا الخصوص، أوضح المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، ياو جيان، بأن ربط بعض الأمريكيين دعاواهم المتعلقة بسياسة العملة الصينية بفائض التجارة الصيني وعجز الموازنة والحاجة للانتعاش في الولايات المتحدة "ليس له أساس، كما أنه أمر بلا معنى". وأضاف قائلاً: "إن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكنها أن تطلب من الآخرين (رفع) قيمة عملاتهم من أجل توسيع صادراتها. إن هذا يعتبر سلوكاً أنانياً".

وقد زادت حدة التبادلات اللفظية بين الطرفين في الأسابيع الفائتة، والتي يمكن ردها لأكثر من سبب سواء كان سياسياً أو اقتصادياً، وينظر إليها على أنها من آثار ما بعد الأزمة المالية العالمية. لقد أخلت سنوات العلاقات التكافلية الطريق فجأة مجالاً للمواجهات اللفظية، مشيرة بذلك إلى تحول منظوري أو هيكلي في العلاقات الأمريكية–الصينية. فقد كان الاعتقاد السائد حتى وقت قريب بأنه إذا ما زعزعت الصين التوازن التجاري مع الولايات المتحدة، فإنها هي الأخرى ستعاني جراء هذه العملية. وذلك أن الصين تجني الأموال من تصديرها السلع إلى الولايات المتحدة، كما أنها أيضاً تشتري الدين الأمريكي. ولكن الوضع المالي المتردي للولايات المتحدة حالياً، وموقف الصين القوي المتزامن مع امتلاكها ما يقارب 895 بليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، يجعل الأمور أكثر تعقيداً.

وفي الواقع، يعود بعض الفضل في صعود الصين الاستثنائي في السنوات الأخيرة إلى الولايات المتحدة نفسها باعتبارها سوقاً استهلاكية للسلع الصينية. ولهذا، فإن الأولى ستفكر أكثر من مرة قبل أي تغيير جذري لهذه المعادلة. وحتى قبل حدوث ذلك، فإن على الطرفين أولا معالجة النقاط الحالية الساخنة، ومنها الاتهام القائل بأن الصين تبيع اليوان (الرنمينبي) وتشتري عملات أجنبية؛ من أجل الإبقاء على قيمة عملتها متدنية وجعل صادراتها تنافسية. وفيما يرى بعض الاقتصاديين الأمريكيين أن اليوان الصيني أقل من قيمته الحقيقية بنحو 25% أو أكثر، تعتبر بكين هذا الاتهام من قبيل "تسييس سعر الصرف"، وتصر على أن هذا لن يساعد العالم في تخطي الأزمة الاقتصادية. واستجابة للدعوات الخاصة بتعويم اليوان هذا الأسبوع، قال رئيس الوزراء الصيني وِن جيا باو، في تصريح موجز غير عـادي: “نعارض أسلوب الاتهامات المتبادلة بين الدول، أو اتخاذ تدابير صارمة لإجبار الدول الأخرى على رفع قيمة عملاتها؛ لأن ذلك لن يساعد على إصلاح سعر صرف اليوان”.

وبصرف النظر عما إذا كان موقف الصين صواباً أم خطأً، فإنها بالتأكيد تستفيد من الظروف الراهنة. فوفقاً لإحدى التقديرات، تضيف الصين أكثر من 300 بليون دولار شهرياً إلى احتياطياتها من العملة الأجنبية التي تبلغ الآن 2.4 تريلون دولار. وتعتقد الصين أن قدراً كبيراً من احتياطي العملة الأجنبية قد ساعدها في تحمل وطأة الأزمة المالية العالمية. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصبح لدى الصين فائض في عام 2010، يُقدر بما لا يقل عن 450 بليون دولار. ومن ناحية أخرى، وفيما يعد خروجاً عن المألوف، ترى بكين أن سياستها المتعلقة بسعر الصرف رد فعل مؤقت للأزمة المالية، وأنها في النهاية سوف تفك ربط عملتها بالدولار. بل إن وزير الخزانة الأمريكي، غاينتر، قد سلم بأن الصين ستتحرك في النهاية لإنهاء ربط اليوان بالدولار لأسبابها الخاصة.

وعلى الرغم من صعوبة تحديد السبب وراء التبادلات اللفظية الحادة بين الطرفين، فإن عدداً من المحللين يعتقد أن قيام الصين ببيع سندات الخزانة الأمريكية ببلايين الدولارات في الأسواق المفتوحة أواخر العام الماضي كان نقطة البداية في هذا الخصوص. فقد كشفت وزارة الخزانة الأمريكية أن الصين باعت ما قيمته 34 بليون دولار من السندات طويلة وقصيرة الأمد خلال شهر ديسمبر فقط، ناهيك عن بيعها لما قيمته 45 بليون دولار في الأشهر الخمسة التي سبقت ذلك. وربما كانت هذه محاولة صينية لتنويع محفظتها من احتياطي العملات الأجنبية، والتي يبلغ نصيب الدولار الأمريكي منها نحو الثلثين. ولكن لا يمكن اعتبار هذا السلوك الصيني مجرد ردة فعل غير مدروسة. ففي مارس/آذار 2009، كان وِن جيا باو قد قال بأنه "قلق بشأن ممتلكات بلاده من سندات الخزانة الأمريكية، وأنه يريد ضمانات بأن استثمارات بلاده في الولايات المتحدة آمنة".

وعلى أي حال، فمع تقدير إدارة الرئيس أوباما أن العجز في الموازنة الأمريكية سيرتفع إلى نسبة 10.6% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1946، فمن الواضح أن الأمور لا تبدو جيدة بالنسبة للولايات المتحدة. حتى إن التصنيفات الائتمانية المتميزة (فئة AAA) للولايات المتحدة أصبحت الآن في خطر، كونها يمكن أن تتعرض لتخفيض مرتبتها. في هذا الصدد، ذكرت وكالة موديز للتصنيف الائتماني بأنها تفكر في تخفيض تصنيف AAA لسندات الخزانة الأمريكية، إذا استمرت واشنطن بالتكديس القياسي لعجز موازنتها. ومثل هذه الخطوة ستصّعب على الولايات المتحدة تمويل ديونها بالاقتراض من دول أخرى. ومع ذلك، فإن هناك مالكين آخرين لسندات الخزانة الأمريكية حول العالم. وفي الوقت الذي تقوم الصين ببيعها، عززت اليابان رصيدها من هذه السندات مما قيمته 11.5 بليون دولار إلى 768.8 بليون دولار، وبريطانيا من 277.6 بليون دولار إلى 302.5 بليون دولار، والبرازيل من 157.1 بليون دولار إلى 160.6 بليون دولار. فإذا كان قيام الصين ببيع سندات الخزانة الأمريكية مؤشراً لفقدانها الثقة بها، فإن هناك ممن لم يصلوا إلى هذا الحد بعد.

ومع ذلك، يمكن تتبع جذور التوتر في العلاقات الأمريكية-الصينية إلى قرار بكين، قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، الإبقاء على أصولها في الولايات المتحدة، وهو القرار الذي ساهم أيضاً، بحسب البعض، في الأزمة. وتُعرف هذه الظاهرة بنظرية "تخمة الادخار"، والذي من دعاتها بن بيرناكي رئيس نظام الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، والتي تدحضها الصين. وبحسب هذه النظرية، فإن الصين قامت باستثمار مدخراتها في الولايات المتحدة؛ ما أدى إلى زيادة رأس المال في المؤسسات المالية الأمريكية؛ ومن ثم إلى حدوث فقاعات الأصول، ولاسيما العقارات، في الاقتصاد الأمريكي، والتي خلفت وراءها أزمة الرهن العقاري وأزمات مصرفية هيكلية وتخفيض ثابت لقيمة الدولار. وحتى لو كان هذا تبسيطاً مخلاً، فإن الولايات المتحدة تحمل الصين، وغيرها من الاقتصادات الصاعدة، مسؤولية بعض مشكلاتها المالية على الأقل. ويُفترض بأن مثل هذه الادعاءات قد غذّت التوتر بين الجانبين أكثر. وتجاهد الآن الولايات المتحدة لعكس هذا الضرر، مع أنها تدرك بأن ليس بإمكانها إنعاش اقتصاد "يحركه المستهلكون" مع سيطرة الصين على العملة. وإذا ما عادت الولايات المتحدة إلى زيادة الإنتاج، فإن الصين أيضاً ستكون أكبر عقبة أمامها باعتبارها أكبر مصنّع. فإذا ما سلكت الولايات المتحدة هذا الطريق، فإن ذلك يعني التنافس مع أكبر مصدر.

وإذا كانت القضايا الاقتصادية تصنع عناوين الأخبار الرئيسية، فلا يمكن التقليل من شأن الخلافات السياسية الأساسية بين الطرفين. في هذا السياق، يُعتقد أن الولايات المتحدة مستاءة من الصين لمعارضتها فرض جولة جديدة من العقوبات ضد إيران، في حين أن قرار البنتاغون بالمضي قدماً في صفقة أسلحة قيمتها 6.4 بليون دولار لتايوان قد أزعج الصين. فضلاً على ذلك، ثمة توترات قديمة جديدة بين الطرفين، مثل قضية التبت وحقوق الإنسان والتغير المناخي.

وعلى الرغم من هذا كله، فليس الكل مستعداً للانخراط في مقاربات الحرب الباردة فيما يخص العلاقات المتدهورة بين الصين والولايات المتحدة. ففي مقالة لمجلة التايم بعنوان: "الصين والولايات المتحدة: المحور اللازم"، كتبت كرستينا لارسون تقول إن العلاقات الأمريكية-الصينية سوف تشكل بالنهاية محوراً لا غنى عنه للحوكمة العالمية. و"لا يعني هذا أن البلدين سيكونان صديقين حميمين…"، تضيف لارسون، ولكن هذا المحور ربما يتشابه مع مجموعة الثماني في مرونته؛ حيث تتعاون الدول الصناعية الكبرى في قضايا اقتصادية ذات مصالح مشتركة، ولكن يسلكون سبلاً متباينة في قضايا لا تجمعهم حولها المصلحة".

ولا يفترض ما سبق أن كل شيء يجري على ما يرام في الصين؛ فالاقتصاد الصيني يُظهر مؤشرات التوسع الاقتصادي الذي تصعب السيطرة عليه، ولديه مجموعة من المشكلات الداخلية الواجب التعامل معها. وليس مستغرباً أن يقوم البنك الدولي مؤخراً بحث الصين على اتخاذ تدابير أقوى لتهدئة اقتصادها، وتخفيض التضخم، حيث يتوقع البنك أن معدل نمو الاقتصاد الصيني سيبلغ 9.5% هذا العام. كما رفع من توقعاته لنمو الصين الاقتصادي، واقترح على بكين رفع معدلات الفائدة وتقوية قيمة اليوان لتجنب التضخم وفقاعات الأصول في سوق العقار المحلي. وهناك خطر آخر على الصين، حيث ذكر البنك الدولي أن الصين لديها ميزانيات مكلفة للحكومات المحلية. فقد ذكرت شركة تمويل تجارة التجزئة، ومقرها هونغ كونغ، أن نمو الاقتصاد الصيني بلغ ذروته، وأن الطلب والإنتاج يتمددان بخطى بطيئة. كأن على الصين "ترتيب المنزل من الداخل"؛ ليتسنى لها تغذية طموحاتها الخارجية.

ومن حسن حظ منطقة الشرق الأوسط أن تظهر كل هذه التفاعلات في وقت أصبح اعتمادها المتبادل مع الصين في أوجه. فحاجة الصين شديدة للطاقة لاستدامة نموها الاقتصادي، كما هو الحال بالنسبة لطلب دول الشرق الأوسط على السلع الاستهلاكية الصينية، وبحثها المتواصل عن أسواق جديدة للأعمال والاستثمار. ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية مشغولة لاحتواء ديونها المتضخمة، والاتحاد الأوروبي يحاول إنقاذ أعضاءه المضطربين مالياً من الوقوع في المستنقع الاقتصادي، فسيناريو "المكسب لكلا الطرفين" هو المتصور للعلاقات بين الصين والشرق الأوسط. ولكن من الصعب التنبؤ بما إذا كان الطرفين سوف ينتهزون هذه الفرصة لتطوير هذه العلاقات إلى مستوى آخر.

Share