تهويد المعالم الإسلامية: ماذا عن الردود العربية؟!

  • 7 مارس 2010

شكّل قرار الحكومة الإسرائيلية ضم الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم وأسوار القدس إلى قائمة ما يسمى "الأماكن التراثية الوطنية اليهودية"، لكمة جديدة من ضربات الغطرسة الإسرائيلية الموجّهة إلى الإرادة العربية والإسلامية.. وكأنه لم يكف تعرُّض هذه الإرادة إلى وابل لا ينقطع من التحديات في مسار الصراع مع المشروع الصهيوني، حتى تجد ذاتها أمام تحدٍّ جديد عبر خطوة نوعية خطيرة في منحى مواصلة تهويد المقدسات التي تشغل مكانة أثيرة في العقل والوجدان.

وعلى الرغم من وضوح طبيعة الخطوة الإسرائيلية الجديدة، وردود الفعل واسعة النطاق عليها، فإن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حاول التخفيف من وطأة قرارها بالقول: "إن الوضع الحالي القائم في الموقعين لن يتغير، وإن هناك في الخارج من فهم القرار بصورة خاطئة. فالقرار ليست له أبعاد سياسية، والرد الفلسطيني نابع على ما يبدو عن سوء فهم". وزعم نتنياهو في الكنيست أنه لم يتصل به أحد من قادة العالم ليعرب له عن احتجاجه على القرار.

هكذا إذن؟!.. لقد تجاهل نتنياهو وحكومته حقيقة أن هذا القرار يحمل، وفق أي مرافعة قانونية، مهما كانت متواضعة، وحسب المواقف التقليدية لدول العالم، بعداً سياسياً خطيراً ينطوي عليه من الناحية الفعلية يتلخص بأن إسرائيل تعتبر هذه المناطق إسرائيلية، وليست أرضاً فلسطينية احتلت عام 1967، وأن لها الحق في ضم هذه المواقع المقدسة لدى العرب والمسلمين إلى قائمة تراثها، وهو ما يضع إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، في وضع انتهاك مادي خطير لالتزاماتها بموجب الشرائع والمواثيق والقرارات الدولية ذات الصلة.

يأتي ذلك بالتزامن مع تشديد القوى اليهودية المتطرفة على مطالبة الحكومة بتطبيق الخطوة ذاتها على المسجد الأقصى، الذي يعدونه "الموقع التراثي رقم واحد في إسرائيل"، ومع تخطيط بلدية القدس المحتلة، حسب وثيقة حديثة تم تسريبها، لتنفيذ أكبر عملية تهويد في تاريخ المدينة، قريباً، تحت عنواني: "تنظيم وتجديد وحفظ البلدة القديمة" و"سيادة القانون"، بحيث يطال الهدم العديد من المنازل والممتلكات والمواقع الأثرية، التي تتركز في البلدة القديمة، ولاسيما في الحيين الإسلامي والمسيحي، إضافة إلى مناطق وأحياء مقدسية عدة، مثل: حي وادي الجوز ورأس العامود وسلوان وبيت حنينا والثوري والعيسوية.

في خلفية هذه الخطة، لم يعد خافياً أن الحكومة الإسرائيلية تصرّ على زيادة وتيرة العمل لتغيير هوية المعالم الإسلامية والمسيحية وطمس الآثار العربية في مدينة القدس، وإحكام السيطرة على هذه المدينة وتهجير مواطنيها العرب، مع توفر أدلة ملموسة على أن مشاريع التطوير المزعومة تحمل نزعة دينية يهودية صهيونية، ولا صلة لها بتحسين البنى التحتية والسياحية وسواها.

ويتوقع العديد من الخبراء والمتخصصين في شؤون القدس والمقدسات الإسلامية في فلسطين، أن يشهد عام 2010 هجمات غير مسبوقة في الأعمال التهويدية.. وتذهب التقديرات إلى أن ذلك سيتأثر بنتيجة الردود الرسمية والشعبية العربية والإسلامية على الخطوة الإسرائيلية الأخيرة.

وقبل أن تفرغ الأمة من البحث عن سبل إحباط ما يترتب على القرار الإسرائيلي الجديد، سوف تستيقظ على حدث، من المرجّح أن يكون مزلزلاً، لدى قيام الجماعات اليهودية المتطرفة وغلاة المتطرفين اليهود من مختلف أنحاء العالم، باقتحام المسجد الأقصى، وإقامة الشعائر التوراتية والتلمودية داخله، وذلك يوم السادس عشر من آذار/مارس الجاري، الذي أطلقوا عليه "اليوم العالمي من أجل بناء الهيكل".

ولكن ماذا عن الردود العربية؟!.. لقد صدرت مواقف مبدئية مهمة عن جميع الحكومات العربية، التي شجبت قرار الضم الإسرائيلي لموقعين إسلاميين لما يسمى "الأماكن التراثية اليهودية"، ودانت الهجمات الوحشية والانتهاكات الخطيرة التي يقوم بها المستوطنون وقوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المسجد الأقصى. وأصدرت الاتحادات العربية بيانات استنكار، ونظمت ندوات تفضح القرار الإسرائيلي. وردد طلبة متظاهرون في عدد من الجامعات هتافات مطالبة بتحرك عاجل من قبل قيادات الدول العربية والإسلامية لإنقاذ المقدسات الإسلامية، واتخاذ قرارات بوقف كل أشكال التطبيع والعلاقات مع إسرائيل. وطالب سفراء الدول العربية والإسلامية لدى الأمم المتحدة الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون بالضغط على إسرائيل للتراجع عن قرارها.

وكان من القرارات المهمة؛ إقامة مفوضية خاصة بالقدس المحتلة تصبح عنوانًا في الجامعة العربية للمدينة المقدسة، بعد المبادرة التي أطلقها رئيس "التجمع الوطني الديمقراطي" في الداخل الفلسطيني واصل طه، الذي وصف القرار بأنه "إنجاز مهم يساهم في رفع راية القدس والدفاع عنها ويؤكد قيمتها العربية والإسلامية في المحافل الدولية".

وعلى خط الوعي بضرورة الانتقال من تصورات الممكن الذهني إلى خيارات الفعل والعمل الواقعي المؤثر، تتجه الأنظار إلى سلسلة من الإجراءات العربية العاجلة لمواجهة السياسة الإسرائيلية، منها؛ ترجمة قرار اجتماع الوزراء العرب في القاهرة (يوم3 مارس الجاري) بطرح الإجراءات الإسرائيلية في القدس والأراضي المحتلة، وضمناً القرار الإسرائيلي الأخير، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية في لاهاي، ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومنظمة اليونسكو. واجتماع وزراء الأوقاف العرب لبحث الانتهاكات الإسرائيلية، وانعقاد مؤتمر الاتحاد البرلماني في القاهرة لإيجاد آليات لتنفيذ قراراته السابقة لدعم الشعب الفلسطيني. ولعل المحطة الأبرز التي يفترض أن تسهم بالتصدي للغطرسة الإسرائيلية، هي القمة العربية المرتقب عقدها في العاصمة الليبية طرابلس نهاية هذا الشهر. ومما يُذكر هنا، أن إدارة المسجد الأقصى رفعت مذكرة إلى جامعة الدول العربية لعرضها على القمة، تطلب فيها رصد ميزانية سنوية قدرها 500 مليون دولار، لدعم المؤسسات المقدسية، لتمكينها من أداء خدماتها الدينية والتعليمية والصحية والإسكانية والشبابية للمقدسيين. ومن المقدر أن يتيح هذا الدعم إمكانية للتجذر والصمود لهؤلاء المرابطين في واحد من أهم ثغور الدفاع عن حاضر الأمة ومستقبلها.     

على مستوى العمل الشعبي، تتصاعد الدعوات الفلسطينية لشد الرحال إلى الأقصى، وتتعاظم الأصوات، متعددة المصادر، المحفّزة على وجوب خروج الجماهير العربية والإسلامية بمسيرات غاضبة تنديداً بممارسات الاحتلال، وتخصيص خطب الجمعة لنصرة المقدسات الإسلامية في فلسطين، وتفعيل قرارات مكتب مقاطعة إسرائيل، ورفع منسوب الوعي حول القدس والمسجد الأقصى، ومكانتهما الدينية والتاريخية والحضارية، والمخاطر التي تتهددهما.

هذه عينات من التوجهات العربية القائمة والمنتظرة.. ومع ذلك، من المهم تأكيد أن بيانات الشجب والاستنكار لم تعد كافية للتعبير عن المواقف، فخطورة الوضع تتطلب تحركاً عربياً وإسلامياً سريعاً يفرض على المجتمع الدولي اتخاذ قرار ملزم لإسرائيل التي تتحدى الإرادة الدولية. كما أن العمل العربي مطالب بتهيئة الظروف والموانع الحقيقية التي تحول دون تمادي إسرائيل في مواصلة اعتداءاتها على مقدساتنا.

إنه امتحان جديد ينتصب أمامنا، بكل قسوته، في أجواء الوهن العام الذي نتطلع إلى التعافي منه.. ويظل الأمل معقوداً على الأفق التغييري الواعد، في ضوء الخبرة التاريخية التراكمية، بأن كل موجات الغزو والاحتلال التي تعرضت لها أمتنا، انحسرت وتحطمت، وبقيت هذه الأمة محافظة على وجودها وإرادتها وتطلعاتها.

Share