تهويد القدس: الإجراءات الإسرائيلية والتحركات المطلوبة

  • 18 مارس 2012

على امتداد سنوات الاحتلال الماضية، اعتمدت السلطات الإسرائيلية العديد من المخططات الرامية لفرض سيطرتها الكاملة على مدينة القدس، وسارعت بتنفيذها، بعد أن قامت بضم المدينة واعتبارها "عاصمة إسرائيل الأبدية". ولا تزال هذه السلطات تواصل نهجها التهويدي، في مختلف الميادين، سواء داخل البلدة القديمة (الواقعة ضمن الأسوار)، أو في نطاق محيطها الواسع المسمى "القدس الكبرى".

فعلى صعيد محاولات تهويد الحرم القدسي، تنتمي إلى الوقائع المتراكمة في هذا الشأن تفصيلات تكاد لا تحصى، لكنها تلتقي جميعاً عند هدف واحد هو تهويد المدينة المقدسة وطرد الفلسطينيين منها. وهذا التوجه لا يقتصر فقط على الأحزاب اليمينية المتطرفة، النشيطة في هذا المنحى، فهناك أيضاَ عشرات الحركات والهيئات الأكثر تطرفاً التي تشكل قوى رديفة لهذه الأحزاب. وبينما تستمر الحفريات في محيط المسجد الأقصى وبجواره مهددة أساساته وجدرانه وأعمدته وسقوفه، وتتصاعد الأعمال الاستفزازية التي ترتكبها الجماعات اليهودية المتطرفة، ولاسيما ما يتعلق منها بمحاولات اقتحام الحرم القدسي، للحصول على موطئ قدم داخله، قررت سلطات الاحتلال مؤخراً فتح الحرم القدسي أمام المتشددين اليهود لإقامة الطقوس التلمودية فيه، وذلك بالتوافق مع صدور بعض التصريحات والمواقف التي تعكس تصاعد وتيرة التحضيرات التمهيدية للإقدام على تدمير الحرم القدسي وبناء الهيكل اليهودي مكانه.

وعلى مقربة من الحرم القدسي، سيطرت إسرائيل على حارة الشرف العربية، وأنشأت فيها "الحي اليهودي". كما استولت على نحو 40% من العقارات في الأحياء الأخرى، وخاصة الحي الإسلامي، وأنشأت فيها عشرات الكُنُس، وزرعت عشرات البؤر الاستيطانية التي تجعل من حياة المقدسيين وتنقلاتهم رحلة عذاب. وفي الوقت ذاته تقوم المجموعات اليهودية المتطرفة بمسيرات استفزازية واعتداءات ضد العرب والمسلمين في أحياء البلدة القديمة وساحة البراق وسواها.

وفي المنطقة الواقعة خارج الأسوار، واصلت إسرائيل مصادرة الأراضي لأغراض تحددها سلطات الاحتلال، وقامت ببناء المستوطنات والكتل الاستيطانية الكبرى، حتى وصل عددها إلى نحو 20 حياً استيطانياً، كل منها يعتبر "مدينة" متسعة الأرجاء، لتطويق التجمعات العربية والهيمنة على مناطق نفوذها.

كما قامت السلطات الإسرائيلية بعزل القدس عن محيطها الجغرافي – السياسي؛ منطقة الضفة الغربية، عبر بناء جدار الفصل العنصري. وجرى تنفيذ مشروع "غلاف القدس" كجزء من هذا الجدار، وفق ثلاثة مسارات: شمالي وشرقي، وآخر يفصل القدس الشرقية عن محيطها الغربي. وذلك بهدف توسيع حدود بلدية القدس المحتلة وجعلها تسيطر على نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، وإكمال الطوق الاستيطاني حول المدينة بدءاً من مستوطنة "هار حوماه" (المقامة في موقع جبل أبو غنيم) مروراً بمستوطنة "معاليه أدوميم" (على أراضي الخان الأحمر) في الشرق، ثم مستوطنة "جفعات زئيف" في الشمال.

وجرى مؤخراً فصل ثمانية أحياء فلسطينية في القدس الشرقية، من منطقة قلنديا في الشمال حتى منطقة مخيم اللاجئين شعفاط في الشمال الشرقي، والواقعة جميعاً في نطاق الحكم البلدي الذي أعلنت عنه إسرائيل في 1967 عندما ضمتها إلى نطاق المدينة الموحدة. وكانت هذه الأحياء جزءاً من المجال البلدي للقدس، لكن جدار الفصل العنصري ترك هذه الأحياء خارج القدس، وحرم مواطنيها البالغ عددهم نحو 80 ألف عربي من أبسط حقوقهم، رغم أنهم يحملون بطاقات هوية إسرائيلية.

وتشكل الحملات الصهيونية المستمرة لهدم مزيد من بيوت المواطنين العرب المقدسيين جزءاً من سياسة التهويد المبرمجة، حيث يؤدي هدم هذه البيوت إلى القضاء على الوجود المادي والارتباط المكاني لأولئك المواطنين بمدينتهم. ويأتي هذا السلوك لصالح الوجود الاستيطاني اليهودي، على نحو مترابط مع مساعي الترحيل والإبعاد وعمليات التطهير العرقي التي تنتهجها إسرائيل في المدينة المقدسة. فقد قامت السلطات الصهيونية منذ الأيام الأولى لوقوع مدينة القدس تحت الاحتلال بقضم "حارة الشرف"، وأزالت "حي المغاربة" بالكامل، وشردت مواطنيه. وشمل الهدم مئات البيوت والمساجد التاريخية التي تشكل تراثاً إنسانياً وحضارياً، ليحلّ محلها بيوت ومنشآت شوهت الطابع التاريخي المميز لمدينة القدس. كما قامت سلطات الاحتلال بتهويد أطر التعليم والقضاء والإدارة وغيرها.

وتم تهجير عشرات الآلاف من العرب المقدسيين من بيوتهم وأراضيهم، في شطري القدس (الغربية التي احتلت عام 1948، والشرقية التي احتلت عام 1967) وفق عملية إحلال سكاني استيطاني يهودي. وفيما تم تهويد القدس الغربية وطرد جميع مواطنيها العرب تقريباً، تبيّن الإحصائيات الفلسطينية، أن عدد الفلسطينيين في القدس يبلغ حالياً نحو 300 ألف نسمة، يشكلون نحو 35% من إجمالي عدد السكان العرب واليهود في المدينة. ولكن إذا ما ضمت إسرائيل رسمياً التجمعات الاستيطانية الكبرى التي تلتف حول القدس فستصبح نسبة فلسطينيي المدينة نحو 18% من إجمالي السكان، وبالتالي ستحقق إسرائيل جزءاً هاماً من أهداف مخططها الرامي للسيطرة شبه التامة على القدس وتحويل الفلسطينيين إلى أقلية، وذلك بالتكامل مع تهجير الفلسطينيين من خلال سحب الهويات المقدسية وحيازة البيوت.

وقد تفتقت الذهنية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة عن فكرة تضليلية أخذت طريقها إلى حيز التطبيق، تتجسد بمصادرة أراضي العرب المقدسيين ومنازلهم لصالح ما يسمى "الحدائق القومية"، التي ترتب عليها تقليص المساحات التي يمكن أن يستخدمها هؤلاء العرب للتوسع العمراني، وصارت تشكل طوقاً خانقاً للتجمعات العربية في منطقة القدس. وعمدت سلطات الاحتلال مؤخراً إلى "خصخصة الحدائق"، لتخدم اليهود حصراً.

ويتضح من المنشورات الإسرائيلية أن هناك ذعراً عاماً من التطورات الديمغرافية، وظل هذا الموضوع حاضراً بقوة في مداولات الأوساط الرسمية والعامة والبحثية، حيث يجري التداول في سبل التخلص من "الخطر الديمغرافي" المحدق بالدولة اليهودية، بهدف حسم مسألة القدس، بمضامينها السكانية والجغرافية والسياسية، عبر العمل على فرض واقع جديد في المدينة، استباقاً لأي تسوية سياسية مستقبلية تتضمن القدس، لجعلها عملياً خارج أي إطار تفاوضي.

وفي سبيل طمس هوية القدس الأصلية، عملت سلطات الاحتلال على تزوير تاريخ المدينة، وأزالت العديد من المعالم الإسلامية والمسيحية والقبور والمقامات، وحددت قبوراً وهمية لليهود في منطقة سلوان وغيرها، وأطلقت على المواقع تسميات عبرية ومنعت استعمال الأسماء العربية في الوثائق ووسائل الإعلام الرسمية.
وبينما يحشد الإسرائيليون أساطير مدججة بالأسلحة والجرافات، ويستدعون من عالم الأوهام والخرافات مقولات ومفاهيم هي بحد ذاتها اعتداء صارخ على الحضارة والإنسانية لتأكيد أحقيتهم التاريخية في المدنية، تثبت نتائج الحفريات التي يجريها الإسرائيليون أنفسهم رسوخ الوجود العربي/الإسلامي في المدينة، ناهيك عن بقاء عشرات المباني ومئات النصوص المحفورة على حجارة القدس، التي تنطق بأصالة هذه المدينة المندمجة في حياة الأمة، بمرتسمات مادية واجتماعية وسياسية، امتداداً إلى التاريخ الحديث والمعاصر.

في ضوء هذه الحقيقة، والتصاقاً بمسار الصراع، يتعين ترسيخ مدينة القدس كرمز ديني وقومي من الدرجة الأولى، بالنسبة للعرب والمسلمين، حيث يشكل الارتباط بالقدس أحد المضامين العقدية والتعبدية في حياة الأمة، استناداً إلى نصوص واردة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، واختصاص القدس بمساحة واسعة من وقائع التاريخ العربي غير قابلة للطمس أو التجاوز.

على هذه الخلفية، يُفترض أن تشكّل القدس محرّكاً روحياً ووجدانياً للمواقف العملية وللاتجاهات السياسية للعرب والمسلمين إزاء قضيتها، مُعبَّراً عنها برفض الاحتلال الصهيوني للمدينة، ومقاومة الإجراءات التهويدية الرامية إلى طمس هويتها وحضارتها الأصيلة.

وعلى الرغم من أهمية الجهود التي بُذلت، ولا تزال تُبذل، عربياً وإسلامياً، فإن هذه الجهود تثبت محدوديتها وقصورها لدرجة العجز عن إنقاذ القدس. وقد أصبح مكرّراً، التذكير بالطاقات العربية والإسلامية التي يجب حشدها لإنقاذ القدس. وتراكمت أكداس من الخطابات والأبحاث والمقالات والمواد الإعلامية المختلفة، وعجّت العواصم والمدن العربية والإسلامية بعقد المهرجانات والمؤتمرات والندوات، لنصرة قضية المدينة، وتدفقت سيول من قرارات الشجب والإدانة لممارسات الاحتلال، وخُصصت مئات ملايين الدولارات لدعم صمود المقدسيين.. ولكن كل هذا وغيره لم يساعد، ولو عائلة مقدسية واحدة، على استعادة منزلها المصادر، ولم يحمل سلطات الاحتلال على إلغاء أي أمر هدم للمنازل العربية، ولم يسفر عن تجميد أي مشروع استيطاني جديد. إن الأمر يحتاج إلى التفكير في استراتيجيات جديدة، وإلى ضغط دولي أكثر فاعلية على إسرائيل، لوقف هذه الممارسات المدمرة لكل فرص السلام.

Share