تهريب المخدرات كمتغير جديد في العراق

  • 25 مايو 2005

حذرت الوكالة الدولية للسيطرة على تجارة المخدرات، وهي هيئة دولية معنية بانتشار المخدرات في العالم، من أن تجار المخدرات يستغلون حالة الفوضى الأمنية والبطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية في العراق من أجل تحويل البلاد إلى "محطة ترانزيت" لتجارة الهيروين المنتج في أفغانستان. وهذه التحذيرات مرت مرور الكرام ربما لكثافة الأخبار السيئة التي تنشر عن العراق بحيث لم تعد تحذيرات كهذه تثير ما تستحقه من اهتمام. ولكن تجاهل هذه التحذيرات لا يقلل من خطورتها مطلقا، فهي جرس إنذار حقيقي يلفت الانتباه إلى جانب جديد مما يعانيه العراق من إشكاليات، وما يضمره البعض له من سيناريوهات مستقبلية رديئة، فخطورة تركيز مهربي المخدرات أنظارهم على العراق واستغلال حالة الفوضى والحدود غير المؤمنة في استغلال البلاد وتحويلها إلى نقطة مرور لتجارتهم الممنوعة، لا تكمن هذه الخطورة فقط في وجود شبكات مصالح ستعمل على تكريس حالة الفوضى الأمنية وتفعل كل ما يمكن من أجل الإبقاء على الوضع الراهن ولو من خلال تغذية المتمردين بالأموال اللازمة لتنفيذ اعتداءات جديدة أو تجنيد العناصر اللازمة للتنفيذ، ولكن هناك خطورة أخرى تفوق ما سبق، وهي علاقة المصالح والتحالف غير الشريف بين التنظيمات المتطرفة ومهربي المخدرات، وما يرتبط بذلك من تقارير ومعلومات تفيد بأن تجارة المخدرات هي أحد مصادر تمويل خطط تنظيمات متطرفة مثل "القاعدة" وغيرها، وأن هذا التمويل يساعد هذه التنظيمات على الحياة والاستمرار ويسهم في تحجيم نتائج أي جهود دولية تبذل لتجفيف منابع تمويل هذه التنظيمات عبر مصادر أخرى كانت تعتمد عليها طيلة السنوات السابقة. ويبدو أن مصادرة كميات كبيرة من المخدرات مختلفة الأنواع على الحدود الأردنية مؤخرا قد لفت الانتباه إلى هذه الأنشطة المشبوهة في العراق، ولكن لا ينبغي أن يقتصر الأمر بعد ذلك على مجرد التحذيرات بل يفترض أن تلتفت الحكومة العراقية وقوات التحالف معا إلى هذا المتغير الطارئ على المعادلة الأمنية بالعراق، كي لا تتحول عمليات تهريب المخدرات بمرور الوقت إلى رقم صعب أو كابوس يهدد جهود إعادة بناء الدولة العراقية مثلما عليه الحال في أفغانستان، خصوصا في حال تكون تحالف مصالح بين شبكات تهريب المخدرات والمتمردين والتنظيمات المتطرفة وربما أطراف أخرى لا تريد للعراق استقرارا ولا أمانا.

التحليل الأمني يشير إلى أن انتشار تجارة تهريب المخدرات في العراق بعد الحرب يتشابه مع ما حدث في أي دولة عانت آثار الحروب وغابت فيها قبضة الدولة لمصلحة ما يسمى بـ "المناطق الرمادية" التي تعتبر بيئة أمنية خصبة لتكاثر واستيطان الجرائم والمجرمين، ولكن السيطرة على هكذا أوضاع وتفكيك هذه الشبكات الإجرامية هما أحد مفاتيح تحقيق الأمن والاستقرار في العراق وغيره من الدول التي تعاني ظروفا مماثلة، فطالما لعبت أموال المخدرات دورا بارزا في تأجيج الصراعات العسكرية والحروب الأهلية في دول عدة خلال العقود الماضية، وهناك تقارير مؤكدة تربط بين تهريب المخدرات وتجارة الأسلحة. وإذا كانت السيطرة على جرائم تهريب المخدرات تبدو شأنا داخليا عراقيا، فإنها أيضا ينبغي أن تحظى باهتمام من جانب دول مجلس التعاون بسبب عامل القرب الجغرافي الذي يسهل تفشي العدوى، أو لأن استقرار العراق ونزع فتيل أزماته شاغل إقليمي ملح للجميع.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات