تنسيق عربي-دولي بشأن إيران.. الأبعاد والدلالات

فتوح هيكل: تنسيق عربي-دولي بشأن إيران.. الأبعاد والدلالات

  • 23 ديسمبر 2008

يكتسب الاجتماع الذي عقد في مقر منظمة الأمم المتحدة بنيويورك يوم 16 ديسمبر/كانون الأول (2008)، لمناقشة قضية أمن منطقة الخليج والشرق الأوسط والملف الإيراني، وضم وزراء خارجية وممثلين عن مجموعة دول "5+1" (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا) مع دول من مجلس التعاون لدول الخليج العربية إضافة إلى مصر والعراق والأردن أهمية خاصة، ليس فقط لأنه الأول من نوعه الذي يعقد بهذا الشأن بين دول عربية وأعضاء مجلس الأمن الدائمين، ولكن أيضاً لأنه يعكس بداية تحرك عربي جاد للحضور في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية الرامية إلى إيجاد مخرج أو تسوية مقبولة للأزمة النووية الإيرانية، وتجنب فرض أية ترتيبات إقليمية جديدة على الدول العربية لا تتفق ومصالحها القومية العليا.

ورغم أن الاجتماع لم يكن موجهاً، عربيا على الأقل، ضد إيران، وهو ما أكده الجانبان الأمريكي والإيراني على السواء؛ حيث ذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أن الاجتماع لم يكن يهدف إلى وضع استراتيجية مشتركة ضد إيران، وإنما للبحث في كيفية حل المشكلة، في إشارة إلى الملف النووي الإيراني وإلى تدخل إيران في شؤون المنطقة، كما علق المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي على الاجتماع قائلاً: "إن الدول العربية لن تدعم الولايات المتحدة في نزاعها مع إيران"، رغم ذلك، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أو يتجاهل حقيقة أن هناك عوامل قلق مشروع ومبرر لدى الدول العربية من التطورات المحتملة للأزمة النووية الإيرانية، سواء أخذت هذه التطورات مسار التصعيد العسكري أو مسار المفاوضات السلمية. ففي الحالة الأولى ستكون هذه الدول، ولاسيما دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية هي المتضرر الأول من أي تصعيد عسكري، خاصة إذا ما لجأت طهران إلى تنفيذ تهديداتها المتعلقة باستهداف آبار النفط في المنطقة، أو إغلاق مضيق هرمز الذي تمر من خلاله معظم صادرات الخليج النفطية، ناهيك عن استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، كما أن استهداف المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية من شأنه أن يشكل تهديداً بيئياً وأمنياً لدول الخليج المجاورة.

وتدرك دول الخليج حجم المخاطر التي قد تترتب على أي تصعيد عسكري جديد في منطقة الخليج التي مازالت تعاني من تداعيات الحرب الأمريكية على العراق بكل ما حملته من تهديدات جدية لأمنها واستقرارها، وهي تعي جيداً أن تداعيات أي عمل عسكري ضد إيران ستكون أكثر خطورة وأشد وطأة على الاستقرار الهش المتبقي في هذه المنطقة، ولذا أعلنت أكثر من مرة رفضها الواضح لمنطق استخدام القوة في تسوية هذه الأزمة، وهي تحاول بمختلف السبل تجنب اللجوء إلى خيار القوة، ولا شك أن التنسيق المستمر مع مجموعة "5+1" المعنية بهذا الملف سيتيح لتلك الدول فرصة مناسبة لتوضيح مخاطر العمل العسكري المحتمل على أمنها واستقرارها.

وعلى الرغم من دعمها القوي لمنطق الحل السياسي للأزمة النووية الإيرانية، فإن الدخول في مسار المفاوضات السلمية لا يقلل من عوامل القلق لدى الدول العربية بل يزيدها؛ حيث تخشى هذه الدول من أن تفضي تلك المفاوضات إلى إبرام صفقة سياسية تمنح إيران دوراً إقليمياً مهيمناً في المنطقة مقابل تراجعها عن القيام بتخصيب اليورانيوم في أراضيها، وهو أمر سيكون حتماً على حساب المصالح العربية والخليجية. ويبدو هذا السيناريو مرجحاً في ضوء عدد من المؤشرات المهمة؛ أولها: توصل الجانب الأمريكي إلى قناعة تامة بصعوبة، وربما استحالة، الدخول في حرب مع إيران في الوقت الراهن بسبب انهماك الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان، وكان وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس قد أكد في السابق أن حرب كهذه "ستكون كارثية على صعد متعددة". وثانيها؛ تمسك إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما بموقفها القائم على ضرورة تسوية الأزمة النووية الإيرانية سلمياً من خلال الدخول في حوار غير مشروط مع طهران؛ ففي أحد تصريحاته الأخيرة، أعلن أوباما أنه يتعين على واشنطن فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع إيران لإقناعها بتغيير سلوكها في المجال النووي والتوقف عن دعم الجماعات المسلحة مثل حماس وحزب الله اللبناني، مؤكداً أن باستطاعة بلاده تقديم حوافز اقتصادية مفيدة لطهران، التي تواجه ضغوطاً قوية ويعاني اقتصادها مشكلات كبيرة مثل التضخم والبطالة، وإن كان قد حذر في الوقت نفسه من إمكان تشديد العقوبات عليها إذا رفضت ذلك.

وكانت بعض وسائل الإعلام قد كشفت عن وجود مباحثات بين البلدين للتوصل إلى صفقة تنظم العلاقات بينهما خلال الفترة المقبلة، تتضمن قيام إيران بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم، والضغط على حلفائها لتهدئة الأوضاع في العراق ولبنان وفلسطين، مقابل تعهد أمريكي بعدم اللجوء إلى القوة العسكرية ضد طهران، ومنحها حوافز اقتصادية مغرية، والاعتراف لها بدور إقليمي متميز، وهو الأمر الذي أثار مخاوف الدول العربية، التي سعت إلى أن تكون في قلب هذه التفاعلات التي يمكن أن ترتب أوضاعاً جديدة في المنطقة. وقد عبرت الدول العربية المشاركة في اجتماع نيويورك مع مجموعة "5+1" عن مخاوفها تلك بوضوح، وأكدت أن موافقة دول المجموعة على منح إيران دوراً إقليمياً في إطار الرزمة التي تقدمها هذه الدول في المسألة النووية "ليس عنصر تفاوض" عند العرب، وأبرزت هذه الدول رفضها لأي تنازلات تقدمها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا إلى إيران في شكل دور إقليمي في منطقة الخليج.

وتتمثل أهم نتائج هذا الاجتماع في اتفاق الجانبين (العربي ومجموعة 5+1) على الاستمرار في عقد هذه الاجتماعات بصورة دائمة، وهو ما يتيح للدول العربية الوقوف على مختلف التطورات المتعلقة بهذه المسألة والتعبير عن وجهة نظرها في أي تسوية محتملة بين الدول الخمس وألمانيا مع طهران في مسألة دور إيران الإقليمي، وقد عبر وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد الخليفة عن هذا الأمر بوضوح قائلاً: " إن أبرز نتائج هذا الاجتماع أنه سيستمر ويتكرر، وأن الدول الخمس زائد ألمانيا أخذت على عاتقها أن مسألة الحوار في أي جانب سياسي يتعلق بالمنطقة يجب إشراك الدول الإقليمية فيه. وهذا قد بدأ. ونحن سعداء بذلك؛ فالأهم أننا سنكون مشاركين من الآن فصاعداً في كل الاجتماعات التي تخص هذا الشأن. وهذا نواة ميكانيزم للمستقبل".

وهكذا، فإن مشاركة الدول العربية والخليجية في هذا الاجتماع المهم لا يستهدف الدخول في أي تكتلات أو خطط لمواجهة إيران، فهذه الدول ما زالت ثابتة على مواقفها الداعية إلى تسوية الأزمة سلمياً، وبالشكل الذي يجنب المنطقة ويلات حرب جديدة، ويحول في الوقت نفسه دون امتلاك إيران لأية أسلحة نووية تهدد حالة التوازن الاستراتيجي القائم في المنطقة، أو منحها أية أدوار إقليمية مهيمنة، وإنما يستهدف معرفة ما قد يحدث من تسويات، وما تفرضه من ترتيبات إقليمية جديدة يمكن أن تؤثر على مصالحها في المستقبل، ولاسيما أن الأمر يتعلق بقضية أمن الخليج ومستقبله، ولهذا فإن مثل هذه الاجتماعات تبدو ضرورية لها.

غير أن تأكيد هذه النية لا يجعلنا نتجاهل حقيقة أن السلوكيات والممارسات الإيرانية هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن إثارة عوامل القلق لدى الدول العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص؛ فقد كشفت هذه السلوكيات خلال السنوات القليلة الماضية عن رغبة واضحة في فرض الهيمنة الإيرانية على المنطقة، وتجلي ذلك من خلال التغلغل الواضح في عراق ما بعد صدام حسين، والذي تم بمساعدة غير مباشرة من جانب سلطة الاحتلال الأمريكي، والدور الذي لعبته وما زالت تلعبه في لبنان وفلسطين من خلال حلفائها هناك، وتدخلها المستمر في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بشكل عام. وتخشى الدول العربية من أن تتمكن إيران من انتزاع اعتراف المجتمع الدولي بدور إقليمي لها، الأمر الذي يزيد من هذه التوجهات الإيرانية السلبية ويعزز من هيمنتها الإقليمية في المنطقة، كما تخشى من احتمال امتلاكها للقنبلة النووية، لأنه يصب في الاتجاه ذاته؛ فتداعيات كلا الأمرين لا تقل خطورة عن حدوث حرب رابعة في منطقة الخليج العربي.

خلاصة الأمر، إن عقد هذا الاجتماع كان أمراً ضرورياً، وهو يمثل خطوة مهمة تعكس حرص الدول العربية التي شاركت فيه على الحضور في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية المتعلقة بقضيتي أمن الخليج والمسألة الإيرانية؛ فالغياب العربي عن معالجة مثل هذه القضايا الجوهرية لم يعد حلاً لأنه سيضر بالمصالح العربية، وسيبقي الدول العربية في دائرة المفعول به وليس الفاعل، ومن المهم أن تستثمر الدول العربية الاجتماعات القادمة لطرح وجهة نظرها في أية ترتيبات جديدة محتملة، وتأكيد حقيقة أن أمن الخليج لن يتحقق إلا من خلاله التعاون البناء بين دوله، واحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يتطلب إقناع الدول الكبرى بتجنب طرح أي صفقات يمكن أن تفضي إلى أي نوع من أنواع الهيمنة والنفوذ في هذه المنطقة، وجعلها خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات