تنامي العلاقات الخارجية لكردستان-العراق

  • 16 مايو 2010

شكلت زيارة مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، إلى كلٍ من المملكة العربية السعودية ولبنان، في أبريل 2010، تطوراً مهماً في العلاقات الخارجية للإقليم. ففي السعودية، قلده العاهل السعودي بقلادة الملك عبد العزيز من الطبقة الأولى، والتي لا تعطى إلا لقادة الدول. وفي لبنان، استقبله على أرض المطار رئيس الوزراء اللبناني وبصحبته السفير العراقي في بيروت، وأجريت له مراسيم استقبال بروتوكولية كما رؤساء الدول. وبعد الزيارة التاريخية لوزير الخارجية التركي لأربيل في أكتوبر 2009، وافتتاح القنصلية التركية العامة فيها في مارس الماضي، تلقى البارزاني مؤخراً دعوة رسمية لزيارة تركيا. ومن العلامات الأخرى البارزة في هذا الخصوص، تنفيذ برهم صالح، رئيس حكومة كردستان الإقليمية، زيارة رسمية إلى دولة الإمارات في فبراير 2010، وزيارة البارزاني للولايات المتحدة، التي يرتبط الإقليم بعلاقة "تحالف استراتيجي" معها، في يناير من نفس العام، حيث التقى الرئيس باراك أوباما ونائبه ووزيرة خارجيته وغيرهم.

والحقيقة أن العلاقات الخارجية لإقليم كردستان، والتي يطلق عليها الدبلوماسية الموازية Paradiplomacy، ليست ظاهرة جديدة، إنما تعود تجلياتها إلى النصف الثاني من القرن العشرين، وبصورة أكثر تحديدا إلى سبعينيات هذا القرن في ظل زعامة الملا مصطفى البارزاني، الذي قاد حركة التمرد الكردي وتحالف مع الاتحاد السوفيتي السابق وإيران. بيد أن العلاقات الخارجية للإقليم أخذت دفعة قوية مع حالة "الاستقلال الواقعي" الذي يتمتع به الإقليم منذ العام 1991، ثم شهدت فترات من الركود والانتعاش طوال عقد التسعينيات. ومع الاحتلال الأمريكي للعراق منذ 2003، أخذت الدبلوماسية-الموازية الكردستانية دفعة أخرى أقوى من سابقتها؛ فاكتسبت بروزاً متنامياً وأبعاداً جديدة، وتزايد نطاقها وكثافتها ومستوى مؤسسيتها.

فبالإضافة إلى الزيارات الرسمية المذكورة أعلاه، قام المسؤولون الأ كراد، في الفترة 2005- 2009، بعشرات الزيارات والمهمات الخارجية إلى عدد من الدول في قارات أربع، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وبريطانيا وبولندا واليابان وقيرغيزيا، فضلاً عن عدد من الدول العربية. ويلاحظ أن بعض هذه الزيارات أو المهمات تكررت أكثر من مرة خلال الفترة المذكورة. دون الحديث عن الزيارات والمهمات الخارجية المشتركة التي تتم في إطار الوفود العراقية.

كذلك، استقبل المسؤولون الأكراد في نفس الفترة وفودا رسمية أجنبية عديدة على مستويات مختلفة (مستوى السفراء والوزراء ورؤساء الحكومات) تنتمي إلى أقطار في معظم قارات العالم، وإن كان غالبيتها يأتي من أمريكا الشمالية (أساساً من الولايات المتحدة) وأوروبا وشرقي آسيا. ومن العلامات البارزة في هذا الصدد، نرصد زيارات كل من نائب الرئيس ووزيري الدفاع والخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي من الولايات المتحدة، وزيري الخارجية والدفاع البريطانيين، رئيس الوزراء البولندي، وزير الخارجية البلجيكي، وعضو المجلس الاتحادي الروسي. كما زار أربيل الممثل الخاص ونائب الأمين العام للأمم المتحدة، الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووفوداً رسمية من الاتحاد الاوربي والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة. وقد نفذ العديد من السفراء الأجانب المعتمدين لدى العراق، ولا سيما الغربيين منهم، زيارات إلى أربيل، عاصمة الإقليم. دون الحديث عن الوفود التجارية التي تتقاطر على الإقليم، لبحث قضايا الاستثمار والتجارة مع حكومة كردستان وإبرام عقود تجارية معها، كان آخرها (في أبريل الماضي) وفد من رجال الأعمال التركية برئاسة وزير الدولة للشؤون التجارية.

وقد أسست حكومة إقليم كردستان دائرة العلاقات الخارجية، والتي هي بمنزلة وزارة الخارجية، في سبتمبر 2006، يترأسها فلاح مصطفى بكر، وزير خارجية الإقليم من الناحية الفعلية. وتعد الدائرة القناة الرئيسة للاتصال بالقنصليات والمكاتب الدبلوماسية الأجنبية في الإقليم والممثليات الكردية في الخارج، والتعامل مع سفراء الدول بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية، والاتصال والتنسيق مع الدول الأجنبية، وتنظيم وتقوية الروابط مع وزارة الخارجية "المركزية". ونلاحظ أنه تم إدراج العلاقة مع الحكومة المركزية ضمن المهام "الخارجية" للدائرة، وهو ما يثير التساؤل حول مغزى ذلك.

وعلى الرغم من استمرار الخلافات بين بغداد وحكومة كردستان حول وجود ممثليات كردية في الخارج، فإن الأخيرة تحتفظ بـ 15 ممثلية في أربع قارات مختلفة: آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا. وتوجد هذه الممثليات في روسيا، الإمارات العربية المتحدة، إيران، النمسا، مقر الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، السويد، أسبانيا، سويسرا، بولندا، استراليا، بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية. يذكر أن المجال الوظيفي لبعض هذه الممثليات يتجاوز نطاق الدولة المستقبلة ليشمل دولاً أخرى. فمثلا، ممثلية روسيا مسئولة ليس فقط عن العلاقات الروسية-الكردستانية، وأوضاع الأقلية الكردية في روسيا، وإنما أيضا عن الروابط مع دول الكومنولث وأوضاع الأكراد في هذه البلدان، وتنظيم زيارات الوفود الكردية من هذه الدول إلى الإقليم. كما أن المجال الوظيفي لممثلية الإقليم في السويد هو دول شمال أوروبا، والمجال الوظيفي لممثلية الإقليم في أسبانيا هو شبه جزيرة إيبيريا، والمجال الوظيفي لممثلية الإقليم في الولايات المتحدة هو الأخيرة وكندا. وقد وضعت حكومة الإقليم ودائرة العلاقات الخارجية برنامجاً لفتح ممثليات في دول أخرى. يعكس هذا التمثيل تنوعاً جغرافياً من الناحية الشكلية، ولكن من الناحية الموضوعية، فإن الممثليات الكردية مركزة في أوروبا.

كما تستضيف عاصمة الإقليم حوالي 18 ممثليه دبلوماسية أجنبية، ما بين قنصليات عامة وفخرية وأخرى تجارية، افتتحت آخرها (القنصلية العامة التركية) في مارس الماضي. وقد مثل افتتاح هذه القنصلية تطوراً نوعياً مهماً في العلاقة بين إقليم كردستان وتركيا، التي تعد الشريك التجاري الأول للإقليم، والتي دأبت على اتهام قادته بتقديم المساعدات وتوفير الملجأ لمتمردي حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور، وتنفيذ عمليات عسكرية في شمالي العراق لمطاردتهم. ومنذ ذلك الحين، يلاحظ المتابع للشؤون الكردية نشاطاً مكثفاً للقنصل التركي في أربيل، الذي ركزت مباحثاته الأخيرة مع رئيس حكومة كردستان على افتتاح منطقة تجارة حرة بين الإقليم وتركيا. ويلاحظ كذلك أن لإيران قنصليتان في مدينتي أربيل والسلمانية، وقد أبرمت اتقافية تجارة حرة على الحدود مع أربيل. ولكن يلاحظ  غياب ممثلي الدول العربية من بين الممثليات في الإقليم، وإن كانت كل من لبنان ودولة الإمارات بصدد افتتاح ممثليات لها في الإقليم. وهناك عدة دول أخرى يمكن أن تسلك هذا السبيل، من بينها أسبانيا وكرواتيا والدانمارك والبرازيل واليونان وأوكرانيا.
 
علاوة على ذلك، يستضيف إقليم كردستان مكاتب دائمة لبعض المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة واليونيسيف واليونسكو والإنتربول. كما عمد الإقليم إلى بناء وتطوير علاقات تعاونية مع العديد من الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، مثل منظمة التنمية الصناعية، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اليونيسيف، منظمة العمل الدولية، منظمة الفاو، منظمة السلام العالمية، منظمة الهجرة الدولية، واللجنة الدولية للصليب الاحمر.

وبالإضافة إلى ما سبق، تتمثل أهم أبعاد العلاقات الخارجية لإقليم كردستان في المشاركة في المؤتمرات وأعمال المنظمات الدولية، وإبرام اتفاقات دولية (نفطية وتجارية)، والانخراط في علاقات متنوعة مع الأقاليم الأخرى في الخارج. وعلى الرغم مما أثاره من أزمة سياسية وقانونية بين الحكومتين الاتحادية والكردية، عقدت أربيل عدة اتفاقيات نفطية مع عدد كبير من الشركات الأجنبية، دون الرجوع إلى الحكومة العراقية، وقبل إقرار البرلمان الاتحادي قانون النفط والغاز. كما أبرمت عدة اتفاقات تجارية وغير تجارية مع أقطار ومنظمات دولية وشركات أجنبية في مجالات التجارة والاستثمار والخدمات والنقل والبنية التحتية، كان آخرها اتفاق تعليمي مع ألمانيا في مايو 2010. فضلاً على ذلك، تصر حكومة كردستان أن يكون لها دور في التفاوض حول الاتفاقيات الدولية التي توقعها الحكومة الاتحادية، طالما تتعلق باختصاصاتها الدستورية أو تمس المصالح الكردية. ويلاحظ أيضاً تنامي التعاون الإقليمي بين كردستان وغيره من الأقاليم، مثل إمارة دبي، وبعض الأقاليم الألمانية والأسبانية والإيطالية، وكذلك الولايات الأمريكية، وإمارة رأس الخيمة (زيارة الشيخ سعود بن صقر القاسمي، ولي عهد ونائب حاكم إمارة رأس الخيمة، في أبريل الماضي).

وفي الحقيقة، فإن تنامي العلاقات الخارجية لحكومة كردستان يزيد من شكوك الحكومة المركزية من أن الأكراد يبيتون للانفصال عن العراق. وفيما تقوم بغداد بجهودٍ لاحتواء هذه التحركات الكردية، يزداد انخراط حكومة الإقليم في الشئون الخارجية. ويفاقم من هذه الشكوك تصريحات رسمية كردية متكررة عن حق تقرير المصير للشعب الكردي والحق في "أن تكون لنا دولتنا أسوة بأية أمة أخرى"، كانت أحدثها تصريحات مسعود البارزاني إلى صحيفة نيويورك تايمز، نشرت في 2 مايو الجاري، التي وصف فيها فرص قيام عراق موحد قوي بأنه من أحلام وأماني العصافير. ويحصل ذلك على خلفية نزاع عربي-كردي معقد في العراق، يطول العناصر الثلاثة الأساسية المكونة لأي صراع دولي أو داخلي، وهي السياسة والأرض والثروة، ويزيد عليها عنصر الهوية القومية؛ ما قد يفضي إلى حرب أهلية بين العرب والأكراد. ففي مقابلة مع مجلة نيوزيويك الأمريكية، نشرت في 17 أغسطس 2009، أكد البارزاني أنه في حالة عدم تحقق مطالب الأكراد، ولاسيما المتعلقة بالأرض، فإنه قد يستخدم الوسائل التي يمتلكها للدفاع عن حقوق شعبه. وعندما سئل أنه إذا كان يعني الحرب، فإن العراقيين يفوقونه في العدد، أشار البارزاني إلى أن ذلك لا يعني انهم يمكن ان ينتصروا دائماً، فالعدد مهم في صناديق الانتخابات عندما تفوز الأغلبية. ولكن يوازن هذه التصريحات أخرى تؤكد على أن الأكراد جزء من الشعب العراقي، وقد قرروا بأن يكونوا جزءاً من العراق الفيدرالي، وليسوا مع تحقيق مطامحهم القومية عن طريق القتال، كانت آخرها مقابلة مسعود البارزاني مع  قناة روسيا اليوم، في 12 مارس 2010، بين فيها أن الأكراد "جزء من العراق، وهذه المنطقة تعتبر أراض عراقية أيضاً. ولكن… لدينا ثقافتنا الخاصة، وتاريخنا وتقاليدنا الخاصة بنا".

ومن ثم، ثمة من ينظر إلى ادعاءات السيادة بواسطة القادة الأكراد على أنها عملية يسعى من خلالها الأخيرين إلى إرضاء مواطنيهم، والحصول على تأييدهم، والضغط على الحكومة المركزية لتحقيق أقصى قدر من السيطرة على استغلال الموارد الاقتصادية للإقليم، أو الحصول على درجة أكبر من الاستقلال في إدارة شؤونهم، وإلى التأثير في الرأي العام العالمي، والحصول على أو تأكيد الاعتراف الدولي بوضعية الإقليم المتميز قومياً ودوره في العلاقات الدولية.

Share