تنامي الاعتراف بالدولة الفلسطينية… أبعاده ودلالاته

  • 20 ديسمبر 2010

يتزايد شعور الفلسطينيين يوماً بعد يوم بعدم جدوى المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية نتيجة وجود مشروعين متضادين لدى طرفيها؛ أحدهما فلسطيني للتسوية يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، والآخر إسرائيلي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية برمتها، فضلاً عن عدم وجود مرجعية واضحة أو ضمانات محددة لهذه المفاوضات والإصرار على إبقائها ذات نهايات مفتوحة. ثم جاء إعلان الإدارة الأمريكية الحالية عن إيقاف جهودها لإقناع إسرائيل بالموافقة على تجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استجابة للضغوط التي مارستها الحكومة الإسرائيلية واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ليزيد من شعور الفلسطينيين بانسداد طريق التسوية السلمية. من هنا بدأ الجانب الفلسطيني البحث عن الخيارات البديلة التي يمكن أن تشكل ضغطاً على الإدارة الأمريكية وإسرائيل معاً، وتنوعت هذه البدائل بين محاولة استصدار قرار من مجلس الأمن سواء بإدانة الاستيطان وتأكيد عدم شرعيته، أو إصدار قرار بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، وطرح فكرة وضع الأراضي الفلسطينية تحت الوصاية الدولية مرحلياً، أو إعلان الدولة المستقلة من طرف واحد مع الاستمرار في إقامة دولة "الأمر الواقع" في الضفة الغربية واستكمال بناء مؤسساتها.

واتصالاً بهذا التوجه برزت فكرة حث مختلف الدول على الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة كآلية لتعزيز الخيارات الفلسطينية المتاحة. ومن هنا تأتي أهمية اعتراف كل من البرازيل والأرجنتين، وهما الدولتان المؤثرتان في أمريكا اللاتينية، رسمياً بالدولة الفلسطينية ضمن حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 وقد شجعت هذه الخطوة دولاً أخرى مثل بوليفيا على سلوك النهج ذاته، فيما يتوقع إقدام مزيد من دول أمريكا اللاتينية مثل الأورجواي والبارجواي والإكوادور، على القيام بالخطوة نفسها. ولا شك في أن تزايد الاعترافات الدولية –على هذا النحو-  سيشكل زخماً دولياً سياسياً ضاغطاً على إسرائيل. وقد سبق للسلطة الفلسطينية أن طالبت الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، لكن طلبها قوبل بالرفض.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن بالقاهرة في التاسع من ديسمبر الحالي، كان ملاحظاً في إجابته على سؤال بشأن البدائل المطروحة بعد إعلان واشنطن وقف ممارسة ضغوطها على إسرائيل، أنه وضع مسألة اعتراف الدول الأخرى بدولة فلسطين في مقدمتها، مضيفاً أن التمسك بحل الدولتين لا يعني شيئاً من دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة ضمن حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما دعا صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، الاتحاد الأوروبي للاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967، مؤكداً أن الوقت قد حان لاعتراف العالم بهذه الدولة.

وقد تعددت الآراء حول جدوى هذا الاعتراف، فنجد مثلاً أن وزير خارجية دول الإمارات العربية المتحدة، سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، اعتبر أن اعتراف البرازيل والأرجنتين بالدولة الفلسطينية يمثل "صفعة لإسرائيل"، مؤكداً "أن الحكومة الإسرائيلية الحالية في حاجة إلى مزيد من الكدمات قبل الاستيقاظ" (الشرق الأوسط 8 ديسمبر 2010). في حين أن هناك من يرى أن هذه الاعترافات التي تأتي من خارج الإطار العربي تعزز من موقف المفاوض الفلسطيني وتزيد من قدرته على التحرك في المحافل الدولية، داعين الجانب العربي للتحرك بفاعلية لاستثمار هذه التحركات الإيجابية وتوسيع نطاقها بما يخدم القضية الفلسطينية. غير أن هناك من يرى، في المقابل، أنه مع عدم الإقلال من أهمية القيمة السياسية لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، فإنه ينبغي عدم المبالغة في أهمية ذلك، فهذه التحركات لا تكفي وحدها ما لم يتوجها اعتراف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية وحدودها وعاصمتها، على حد قول  "فولنجانج هاين" الخبير في شؤون أمريكا اللاتينية بالمعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية.

وأيّاً كان تباين وجهات النظر حول تقييم الأهمية النسبية لهذه الاعترافات، فإن تأثيرها المعنوي والسياسي والخشية من اتساع دائرتها، وجد صداه  لدى الجانبين الأمريكي والإسرائيلي. فقد عبر فيليب كراولي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية عن هذا القلق بقوله: "إننا لا نؤيد هذا النهج .. إن أي تحرك أحادي الجانب سيأتي بنتيجة عكسية". وفي موقف يكاد يكون مماثلاً قال، يجال بالمور، المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، "إن بلاده تدين هذا القرار وتراه خياراً يحطم أساس عملية السلام".

 وفي خطوة مفاجئة ومخيبة للآمال، وافق مجلس النواب الأمريكي يوم 16 ديسمبر 2010، بالإجماع ودون تصويت، على اقتراح تقدم به النائب هيوارد بيرمن، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، يتضمن رفض إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، ودعوة الإدارة الأمريكية إلى استخدام حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن ضد أي تحرك دولي في هذا الاتجاه. كما شدد المجلس في قراره على معارضته القوية لأي محاولة للحصول على الاعتراف بإنشاء دولة فلسطينية خارج اتفاق يتم التفاوض بشأنه بين إسرائيل والفلسطينيين مع دعوة القادة الفلسطينيين إلى وقف جميع الجهود الرامية للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية من الدول الأخرى.

ويظهر هذا القرار مدى الانحياز الأمريكي الكامل والسافر لإسرائيل، وهو يمثل تدخلاً في سيادة الدول الوطنية، فهو يتجاوز صلاحيات مجلس النواب الأمريكي ويرتبط بمسألة لا تتعلق بالشأن الأمريكي، وإنما تدخل في الصلاحيات السيادية للدول الأخرى التي تنوي الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو عموماً يظهر مدى انزعاج هذا المجلس وأنصار إسرائيل فيه من اتساع نطاق الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية ولذا سعى للحد من ذلك، في الوقت الذي فشلت فيه الإدارة الأمريكية في تحقيق أي تقدم ملموس في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية. 

وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 1988 تلا الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وثيقة استقلال الدولة الفلسطينية، واعترف بها 115 دولة، ثم أعلن مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الدار البيضاء عام 1989 قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، واعترفت بها جميع الدول العربية، ومنحتها العضوية الكاملة في جامعة الدول العربية.

ونعتقد أن توسيع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية أو استصدار قرار دولي بعدم شرعية الاستيطان، وإن كان لا يكفي وحده لمواجهة المشروع الصهيوني الشرس، إلا أنه يمثل تحركاً دولياً مهماً يمكن أن يكون له تأثيره الإيجابي على القضية الفلسطينية، ولاسيما إذا صاحبه تحرك موازٍ لاستعادة الوحدة الفلسطينية، وقد اعتمد الفلسطينيون في كفاحهم العادل والمشروع على أنفسهم، وتحدوا واقع الاحتلال الإسرائيلي وممارسات الوحشية.  وهنا تأتي أهمية الدعوة إلى المقاومة المدنية السلمية للاحتلال بعد أن وضعت إسرائيل الفلسطينيين أمام حائط مسدود. ويمثل هذا الخيار آلية مناسبة للضغط على إسرائيل، ولكسب مزيد من تأييد الرأي العام العالمي للحقوق الفلسطينية، ولاسيما مع تراجع المكانة الأخلاقية لإسرائيل، والنظر إلى المقاومة الفلسطينية المسلحة بوصفه خياراً له محاذيره؛ حيث يرى البعض أن خيار المقاومة المسلحة يبدو وفقاً للمعطيات الراهنة غير واقعي قياساً على تجربة الماضي، التي دفع الجانب الفلسطيني فيها أثماناً باهظة من أرواح أبنائه عندما قامت إسرائيل بمواجهتها بعنف غير مسبوق باستخدام القوة العسكرية المفرطة.

وأياً كانت الآراء المتباينة حول القيمة السياسية والمعنوية لتزايد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، فإن قيمتها ستظهر حين يتم العودة إلى مجلس الأمن (كأحد الخيارات البديلة) لاستصدار قرار بالاعتراف بالدولة الفلسطينية من مجلس الأمن، وإذا ما تعزر ذلك نتيجة استخدام الولايات المتحدة لحق "الفيتو"، وهو أمر غير مستبعد، فإنه يمكن اللجوء في هذه الحالة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقرار مشروعه بأغلبية الثلثين استناداً لقرار "الاتحاد من أجل السلام" الذى اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى اللجوء إليه خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، بعد أن فشلت محاولاتها لاستصدار قرار في هذا الشأن من مجلس الأمن نتيجة استخدام "الاتحاد السوفيتي" السابق لحق "الفيتو" عدة مرات.

ولكن سيبقى مثل هذا القرار في حالة صدوره غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع؛ نظراً لسيطرة إسرائيل العسكرية على الأراضى المحتلة، وسوابق عدم تنفيذها للقرارات الدولية دون عقاب، واستنادها إلى الحماية الأمريكية في هذا الشأن، لكن صدوره على أية حال سيفتح نافذة أمل للفلسطينيين، إذا توحدوا ميدانياً وتناسوا خلافاتهم العقيمة، وجاهدوا المحتل بالمقاومة المدنية الفاعلة، وأحسنوا استثمار تعاطف الرأي العام الدولي مع قضيتهم بعد انكشاف زيف المواقف الإسرائيلية أمامه بشكل صارخ.

Share