تنافس سعودي-روسي للسيطرة على أسواق النفط

تنافس سعودي-روسي للسيطرة على أسواق النفط

  • 30 مارس 2002

يبدو أن المملكة العربية السعودية ستواجه في السنوات القليلة المقبلة منافسا عنيدا في السيطرة على أسواق النفط العالمية، هذا المنافس هو روسيا التي لا تتمتع فقط باحتياطات نفطية كبيرة، ولكنها تمتلك أيضا قدرة إنتاجية واسعة مطردة النمو، كما تحظى بتواجد شركات نفطية لديها الديناميكية اللازمة لتنفيذ خطط طموحة. ويرى الخبراء أن حربا بدأت بين السعودية وروسيا، أكبر دولتين مصدرتين للنفط في العالم، حول السيطرة على سوق الطاقة العالمية، وهي حرب، في تحليل العديد من المراقبين، لها أبعاد وانعكاسات جمة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الأمريكي والدور الروسي على الساحة الدولية وموقع السعودية السياسي والاقتصادي ومن ثم دور منظمة "أوبك" المستقبلي. ويشير خبراء نفط أمريكيون إلى أن "السباق السعودي-الروسي" بدأ فجأة وبصورة غير متوقعة، إذ قامت روسيا خلال العامين الماضيين بزيادة إنتاجها من النفط بمعدل وصل إلى نحو نصف مليون برميل يوميا، وهي أعلى زيادة تحققها دولة ما على مستوى العالم. ومع الركود الذي أصاب الاقتصاد العالمي فضلت السعودية ودول "أوبك" خفض الإنتاج بمعدل 3.5 مليون برميل يوميا. 

وفي الأول من يناير 2002 خفضت "أوبك" إنتاجها مرة أخرى بمعدل 1.5 مليون برميل خشية انهيار الأسعار. وبإمكان روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق الاستمرار في زيادة الإنتاج بالمعدل نفسه خلال السنوات المقبلة، ولكن إدوارد مورس المستشار التنفيذي بشركة "هيس إنرجي" التجارية والذي عمل نائبا لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون سياسات الطاقة الدولية ما بين عامي 1979 و1981، يرجح ألا يخرج ضحايا من هذه الخطوة سوى السعودية والكويت والدول المنتجة الأخرى التي تسيطر فيها الحكومة على شركات إنتاج النفط. ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن نفط الشركات العالمية التي تعمل خارج إطار دول "أوبك" الشرق أوسطية هو النفط الوحيد الذي لن يتأثر بزيادة الإنتاج الروسي. وقد دخلت الشركات الروسية دائرة الضوء بعد التحولات الكبيرة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق العام 19991 وأصبحت تلك الشركات حريصة على حماية الثروة الجديدة التي هبطت عليها وتطبيق معايير الأداء التي تفرضها الأسواق المالية. وأدى ذلك إلى إعادة استثمار رؤوس الأموال بمعدل أسرع، وهو ما قد يجعل موسكو تلعب في أسواق النفط العالمية دورا أكبر. وتزامن مع هذه الصحوة تراجع في الاقتصاد العالمي ليصل مستوى الطلب العالمي إلى أدنى مستوى له منذ مطلع الثمانينيات، بل وتزامنت أيضا مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أتاحت للنفط الروسي أن يزيح "أوبك" من الطريق كأول مُصدر رئيس للنفط بالنسبة إلى الغرب. 

بل وحتى قبل هذه الأحداث كانت دوائر صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة مسرحا لجدل ولغط شديدين حول الاعتماد الأمريكي على الواردات النفطية القادمة من الشرق الأوسط حيث يوجد 63% من الاحتياطات النفطية العالمية المؤكدة، منها 25% (أو ما يعادل 261 مليار برميل) في السعودية وحدها. وبوصفها أكبر مصدر لتوفير النفط في العالم تنتهج السعودية سياسة فريدة من نوعها تهدف إلى تعظيم الفوائد التي يمكن أن تجنيها من وراء هذه الاحتياطات. وبحسب مورس فإن السعودية تسعى إلى إطالة الدور الذي يمكن أن يلعبه النفط على الساحة الاقتصادية العالمية لأطول فترة ممكنة، وتركز السعودية على ثلاثة محاور لتحقيق هذا الهدف: المحور الأول ويشمل علاقتها بدول "أوبك"، والثاني ويتعلق بعلاقتها بالدول المنتجة خارج إطار "أوبك" مثل المكسيك والنرويج وروسيا، والثالث يتصل بعلاقتها بالمناطق الكبرى المستوردة للنفط. 

وفيما ستعتمد السعودية في إطار تلك المنافسة على قدراتها الإنتاجية وعظم احتياطاتها وسياساتها المنطلقة من المحاور الثلاثة السابق الإشارة إليها، ستعتمد روسيا على ديناميكية الشركات العاملة بها، وما تسميه "الشفافية التي تتمتع بها صادراتها مقارنة بدول أوبك التي يتجاوز بعضها حصصه التصديرية"، كما ستستفيد من الخسائر التي لحقت بالصورة الذهنية للسعودية والشرق الأوسط عموما جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر والدعوات المتصاعدة لوقف الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، إضافة إلى ما يعتبره البعض تكلسا في السياسات الإنتاجية السعودية التي تسيطر الحكومة فيها على إنتاج النفط، وما يجدون له سندا في عدم زيادة القدرة الإنتاجية النفطية في المملكة على مدى العشرين عاما الأخيرة. على أن تلك التحليلات لا تقيم وزنا للحرص السعودي الزائد على لعب دور فعال ومتوازن في عالم النفط، وقد أثبتت السعودية غير مرة وفي أكثر من أزمة عالمية وإقليمية قدرتها على الحفاظ على دورها كأهم مصدر للطاقة بالنسبة إلى الغرب.

Share