تمكين التوطين

  • 20 أبريل 2010

في كل الدول والمجتمعات الإنسانية، هناك مساحة خاصة لحراك المواطنين، أبناء البلد الأصليين، في جميع القطاعات الحيوية والمتاحة أمامهم. وهذا جزء مهم من السيادة الوطنية، لا تقبل نصوص الدساتير أو القوانين العامة المساس به، فضلاً عن تجاهله أو انتهاكه. كما أنه ضرورة لكي يأخذ كل مواطن دوره في قيادة دفة المجتمع نحو متطلبات التنمية الشاملة والمستدامة.

والتوطين بالنسبة لمجتمع الإمارات هو ركيزة استراتيجية تمكن المواطن من تسخير مقدرات بلده وثرواته لصالحه ولصالح كل من يساهم في تطوير هذا المجتمع الذي يفتح ذراعيه دائماً لخير البشرية، وليس فقط لصالح شؤونه الذاتية، وإن عدّت في سلم الأولويات الرقم الصعب. وبما أن "الثروة البشرية" هي العامل الرئيس في تقدم هذا المجتمع الآمن للوصول به إلى مصاف الدول المتقدمة، في كل مجالات الحياة العملية سواء في الاقتصاد أم الاجتماع، فإن الوقت الآن مناسب تماماً للاستفادة من الثروة البشرية الوطنية. أما الذي يريد أن يزايد على هذه المسألة بإثارة نزعة "العنصرية" التي ما لها من قرار في أرض الدولة، أو إثارة قضية التفرقة بين المواطن والوافد في قضايا تمس سيادة الدولة فيما يتصل بالأمن الوظيفي لمواطنيها، فهو يلعب في ساحة أخرى غير هذه المسافة الفسيحة التي جمعت قرابة خمسة ملايين من البشر في مكان لم ينبذ غريباً أو أجنبياً فيه.

في بداية السبعينيات من القرن الماضي، كانت نسبة المواطنين من إجمالي السكان في الدولة تقارب 68٪، فيما بلغت نسبة الأجانب من كل الجنسيات 32٪. واليوم تنقلب النسبة على رأس المواطن. فقد اختلت المعادلة السكانية في المجتمع بصورة لا تحتمل الانتظار كثيراً لاستدراك الوضع لصالح المواطن أولاً، من دون إخراج الآخر من المعادلة أو من المجتمع. فنسبة المواطنين اليوم لا تتجاوز 10٪ بكثير؛ ما جعل الدولة تختبر ظاهرة تاريخية وسياسية فريدة وغير طبيعية. فلا يوجد أي مجتمع على المطلق يتساوى معنا في هذه المسألة الحساسة، التي تعكس أحد أبعاد الخلل الهيكلي الذي يعاني منه الوضع السكاني في الدولة.

وإذا انتقلنا إلى الجانب المتعلق بتوظيف العمالة المواطنة، فإن الصورة ليست أفضل من وضع التركيبة السكانية. فقد وصل الأمر إلى أن يصبح المواطنون، سكاناً وعاملين، عملة ذات وجه واحد. فإجمالي العمالة المواطنة في القطاع الخاص، وهو المعوّل الرئيسي لاقتصاد البلد، لا يتعدى نسبة واحد بالمائة منذ نشأة الدولة وإلى هذه الساعة التي لم تتغير عقاربها لصالح التوطين، على الرغم من وجود قرارات إلزامية بتوطين الوظائف لأكثر من قطاع، تماشياً مع سياسة التدرج في التوطين، وليس الفرض أو الضغط المباشر لتوخي نهج الحكمة والتأني لضمان سلامة العملية التنموية برمتها. وهذا يؤشر لمفارقة عصية على الفهم بحق. فعلى الرغم من ضخامة حجم الاقتصاد الإماراتي، ومن كونه يعد الأسرع نمواً في المنطقة، وقدرته على خلق مئات الآلاف من الوظائف سنوياً في القطاع الخاص وحده، فإنه غير قادر على إيجاد وظائف مناسبة للمواطنين الذين يرغبون في العمل ولا يجدونه.

وللدولة تاريخ سياسي مشرق ومشرف في تبني سياسة تمكين المواطن من الحصول على وظيفة مناسبة في وطنه؛ لأنها تعلم جيداً أن هذا المواطن لم ولن يعمل في الخارج، ولن يأتي يوم ويصبح في عداد العمالة المهاجرة، كما هو الوضع بالنسبة للآخرين من إخواننا العرب أو الأجانب. وطوال الفترة الماضية، يصرح المسؤولون عن شؤون التوظيف أو التوطين في المجتمع، بغض النظر عن مواقعهم الإدارية، بأن الوظائف متوافرة؛ بدليل أننا نستقطب الآلاف من العمالة الوافدة سنوياً؛ بغرض العمل في المشاريع التجارية والاقتصادية القائمة والمخطط لها وفق استراتيجية طويلة المدى. ولكن كل هذا الزخم لا يجد ترجمة له على أرض الواقع، فنسبة العمالة المواطنة إلى العمالة الأجنبية مازالت جد محدودة، والخلل الراهن في هيكل سوق العمل لا يعد بأفضل حال من خلل التركيبة السكانية في مجتمع الإمارات. والحاصل من هذا كله أن عملية إيجاد فرص وظيفية للمواطنين، الذين تتضاعف أعدادهم بحكم تطور الزمن وتوسع الدولة في التعليم بكل مستوياته، أصبحت صعبة، بالرغم من كل الجهود الرسمية المبذولة لتعزيز سياسات التوطين والتوظيف بالدولة من خلال كافة قنواتها الإدارية من وزارات ومؤسسات وهيئات ومجالس، همها الوحيد، أو هدفها الأهم، هو تمكين المواطن والارتقاء بمستواه المعيشي. وفي الحقيقة، عندما يتم الحديث الإعلامي عن وفرة الوظائف في سوق العمل، فإن الرقم "المليوني" يبرز على السطح دائماً. بيد أن هذا العدد يشبه العصافير التي على الشجر. أما ما في اليد، فيكاد لا يذكر، إذا ما قورن بالوظائف التي يتم استقطاب العمالة الوافدة لها.

وفي ضوء ذلك، هناك تراجع واضح وظلم واقع على "التوطين" بكل جوانبه السياسية والإجرائية. فالجانب السياسي، وهو السيادي، لم يتحقق منذ إصدار الحكومة لقراراتها الإلزامية لبعض قطاعات سوق العمل بتوطين وظائفها بنسب معينة، والمتمثلة في البنوك والمصارف (4%) والتأمين (5%) وأخيراً القطاع التجاري (2%)، وبنسبة إجمالية 11٪. فالنتيجة الكلية إلى الآن لم تصل إلى المطلوب أو المأمول.

إن الوظيفة حق للمواطن، وهو حق دستوري ومن موجبات العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بأفراد شعبها، والحكومة هي أول الحريصين على إيصاله لأبنائها قبل المطالبة بها. ومن هذا المنطلق، أُسست الجهات المعنية بتفعيل هذا البند من الحقوق الأساسية للمواطنين. أما قضية توظيف المواطنين في كافة قطاعات المجتمع، فيجب أن تكون أمراً بديهياً وإجراء إدارياً لا يحتاج إلى قرار ملزم. من هنا، يجدر بنا معرفة الفرق الدقيق بين التوظيف والتوطين. فالتوظيف يعنى تسكين المواطن في وظيفة شاغرة، أو استحداث درجة له مع كل ميزانية جديدة لأي جهة وهو أمر روتيني بحت. أما التوطين، فهو أوسع في أهدافه بعيدة المدى وعلى المستوى الاستراتيجي؛ ذلك أن وجود قطاعات في المجتمع خاوية على عروشها من وجود المواطنين فيها يعني أن الدور الوطني لهذا القطاع قد خف وذاب، وإن كان يمد الاقتصاد بشكل عام بموارد مالية مباشرة أو غير مباشرة. ونضرب مثلاً بقطاع البنوك والمصارف، والمعنية بتوطين 4٪ سنوياً، وفقاً لقرارات ملزمة. ومع الإقرار بوجود بعض المواطنين في هذا القطاع المهم، إلا أنه إجمالاً لم يف حتى الآن بواجباته تجاه التوطين. ويؤكد ذلك خروج أكثر من تسعة آلاف مواطن ومواطنة من هذا القطاع طوعاً في حال وجود البديل الأفضل، أو كرهاً لأسباب كثيرة تتعلق ببيئة العمل وظروفه، وعدم تحفيز المواطن للاستمرار فيه والعطاء للوطن من خلاله.

وهكذا، فإن كنا نسمع بأن عمليات توظيف المواطنين مستمرة، فإن عمليات التسرب مستمرة أيضاً. فماذا جنت الدولة إذن من هذه المعادلة، إذا ما تم تعيين المواطنين في بداية كل سنة ليتم تسربهم أو هروبهم من وظائفهم بعد مرور أشهر أو حتى سنوات قليلة. هذا نوع من التقدم إلى الخلف في قضية التوطين، إن صح أن هناك تقدماً يتجه إلى الوراء! إن عملية تمكين التوطين في جميع قطاعات المجتمع العام والخاص لها آثار إيجابية على الصالح العام للدولة، بحيث توفر عليها مسارات إعادة التأهيل في كل مرحلة من مراحل البناء التنموي، والتي تكلف برامجها أموالاً طائلة كان أولى أن تصرف على تحفيز المواطنين وترقياتهم في وظائفهم الأولى. وإذا استمر وضع التوطين على ما هو عليه اليوم، فإن المطلوب من أي خريج السعي أولاً إلى تعلم كم هائل من المهارات اللازمة لسوق العمل من باب الاحتياط، وإن كان متخصصاً في الهندسة أو الطب أو الإدارة. بعبارة أخرى، إن فقدان الأمن الوظيفي يبقي الوضع هلامياً؛ لأنه لا يستبعد في ظل هذا الظرف أن يُعين المواطن في أي مكان إلا بعد معاناة، وتذهب كل سنوات الدراسة والخبرة أدراج الرياح. إن مواجهة هذه المعضلة تتمثل في تمكن التوطين من محله والإمساك بزمام الأمور من مبدئها إلى منتهاها. فتمكين التوطين هو الذي ينجي المواطنين الباحثين عن عمل في الوطن من التعرض للتهميش، في وقت تسعى فيه حكومتنا الرشيدة إلى الدفع بكل الطاقات الوطنية نحو الرقي والتقدم والنجاح.

Share