تكليف ميقاتي: أسرار وكلمات سر

  • 15 فبراير 2011

سيبقى تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة في لبنان في شهر يناير/كانون الثاني 2011 حدثاً فريداً ومميزاً في السياسة اللبنانية، لن تكشف كل أسراره وتفاصيله إلا في مذكرات مَن صنع الحدث، بل في تقاطعات الروايات المتناقضة والمتمايزة.

فالملياردير الستيني، الذي صنع ثروته في الربع الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الجاري في قطاع الاتصالات، وانتسب مع شقيقه طه إلى نادي مجلة "فوربس" لأصحاب الثروات الكبيرة، عُرف منذ دخل معترك السياسة بأنه رجل وفاق وتسويات، يكره السجال السياسي اللبناني التقليدي، ويرفض العداوات في كل مناحي الحياة، موزعاً اهتماماته بين أعماله المزدهرة وجمعياته الخيرية وعلاقاته السياسية الرفيعة في دمشق والمملكة العربية السعودية وعواصم القرار الغربية المؤثرة في لبنان.

لذلك، كان مفاجئاً أن يصير ميقاتي فجأة عنوان "الانقلاب" الذي قامت به دمشق و"حزب الله" على الأكثرية النيابية اللبنانية الممثلة في الرئيس سعد الحريري وقوى "14 مارس/آذار". فميقاتي منذ الانتخابات النيابية في العام 2009 جزء من هذه الأكثرية، ترشح على لوائحها وانتُخب على أساس خطابها السياسي وثوابتها الوطنية التي تتعارض كلياً مع  "ثوابت" خصومها "قوى 8 مارس/آذار" والمحور السوري- الإيراني بشكل عام. وجوهر الخلاف وعنوانه العريض هو الموقف من المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005 وعمليات الاغتيال التي تلت ذلك اليوم المشؤوم من تاريخ لبنان.

وإذ أخذ "الانقلاب" الذي نفُذ في بداية يناير الماضي شكلاً دستورياً تمثل في انتقال عدد من النواب، على رأسهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، من جهة إلى أخرى، لقطع الطريق على عودة سعد الحريري رئيساً للحكومة، فإن ميقاتي يعلم أن ذلك لم يكن ليتم لولا الضغوط المتفرقة والتهديدات العلنية التي كانت تلوح بالويل والثبور وعظائم الأمور، و"البروفا" شبه العسكرية لاحتلال بيروت التي نفذتها عناصر من "حزب الله" أثناء الاستشارات النيابية، فيما بات يعرف بيوم انتشار "القمصان السود" لفرض "انقلاب أبيض".

لم يٌعرف عن ميقاتي يوماً بأنه رجل المواجهة والتحدي، ولا رجل الخروج على إجماع مدينة طرابلس التي انتخبته، أو على الطائفة السنية التي ينتمي إليها، ولا على المزاج السني بشكل عام. ولم يعرف عنه ذلك الشبق إلى السلطة؛ فهو وصل إليها عبر الحسابات الهادئة والتكلفة المدروسة وصورة النجاح المطمئن. فانتخب نائباً في العام 2000 بعدد أصوات وفير. وحين استدعته الجمهورية المكلومة في العام 2005 لترؤس حكومة انتقالية تجري أول انتخابات نيابية بعد الاغتيال الكبير، خاض التجربة بكفاءة مشهودة مستفيداً من حاجة الظروف إليه، ومن رصيده الكبير لدى الرئيس السوري بشار الأسد، ومن صفة الاعتدال التي لا تفارق صورته على الإطلاق.

هذه المرة قبل ميقاتي التكليف خلافاً لإرادة معظم ناخبيه ومعظم طائفته وخلافاً لمنطق العمل البرلماني المتعارف عليه، وهو أن زعيم الأكثرية النيابية وصاحب أكبر كتلة نيابية فيها هو المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة، فكيف إذا كان هذا الزعيم هو صاحب الأغلبية الساحقة في طائفته وكان ابن شهيد كبير هو رفيق الحريري؟

خرق ميقاتي تقليداً بات بفعل الظروف الخاصة التي مرَّ بها لبنان نوعاً من المحرمات التي يختلط فيها السياسي بالطائفي والعاطفي، فواجهته الطائفة السنية غداة التكليف بـ"يوم غضب" مشهود تخللته تظاهرات وحرائق، مثلما واجهه سعد الحريري "المُستقال" من رئاسة الحكومة بجفاء شخصي غير معهود في لقاءات رئيس حكومة مُكلَّف مع رؤساء الحكومات السابقين، فلم يحادثه ولا تجاذب معه أطراف الحديث في لقاء "الدقائق الخمس" البروتوكولي الشهير.

رغم ذلك، استطاع ميقاتي استيعاب ترددات الحدث متسلحاً بإرادة صلبة في تشكيل الحكومة، عنوانها المعلن "مهمة إنقاذ"، وبطلها رئيس حكومة قرر خوض مغامرة منع لبنان من الانفجار على أعتاب القرار الاتهامي، وعناوينها السرية تقاطعات إقليمية ودولية وصلت إلى قناعة بأن سعد الحريري في طريق مسدود، وأن تكليفه مجدداً تشكيل حكومة سيدخل البلاد في أزمة وتوترات لا يعلم مداها إلا الله.

في كواليس قبول ميقاتي التكليف قيل إنه سمع كلمة سر سعودية بعد إعلان الملك عبد الله بن عبد العزيز أنه رفع يده عن المساعي المشتركة مع دمشق في شأن لبنان، وهي مساع استمرت أكثر من عام وعرفت باسم "س.س"، وأثمرت منعاً للانفجار من غير أن تتيح لسعد الحريري القدرة على ممارسة الحكم في حكومة امتلك معارضوه فيها ثلثاً معطلاً عرقل عملها على الدوام، وفجرها بالاستقالة حين أدرك أن الحريري لا يستطيع الانقلاب على ذاته وعلى المحكمة الدولية، ولا التعهد بالتنصل من القرار الاتهامي إذا لم يكن الثمن المقابل لكل ذلك "صفقة متكاملة" مع دمشق و"حزب الله" تنفذ ما اتفق عليه سابقاً لجهة ضبط السلاح غير الشرعي، وتعيد موضوع "سلاح المقاومة" إلى طاولة الحوار تمهيداً لوضعه تحت عباءة الدولة وضمن استراتيجتها.

كلمة السر السعودية مفادها أن سعد الحريري هو خيار المملكة الأول لكن الرياض تدرك حجم التعقيدات، ولن تخوض معركة ضد بديل مثل ميقاتي يتمتع بمواصفات تجعله قادراً على تمرير المرحلة من دون أن تتورط السعودية في مواجهة مع دمشق وإيران في لبنان.

كلمة السر الثانية كانت سورية. فدمشق التي شجَّعت حلفاءها على رفض تكليف سعد الحريري مجدداً، والتي حاصرته بمذكرات توقيف لأقرب مساعديه، وبحملات واضحة على شخصه وسياساته، كانت تدرك أنها لا تستطيع الإتيان برئيس حكومة "فاقع اللون" واضح الانحياز لها، أو يعتبر مجرد أداة سنية في يد "حزب الله". فهذا النوع من المرشحين سيقود الأكثرية الجديدة وحكومتها العتيدة إلى العزلة الدولية والانقسام الداخلي الخطير، وسيتسبب لها بارتدادات ضارة هي بغنى عنها في فترة إعادة التواصل مع واشنطن وصيانة الانفتاح الفرنسي عليها.

كلمة السر الثالثة قطرية- فرنسية، وهي أن ميقاتي يستطيع بعد استيعاب الصدمة الأولى والهجمات من الأكثرية السنية والحريري أن يشكل حكومة لا ترضي أهل ملَّته لكنها لا تستثير ثورتهم، وتؤمن مصالح الطرف الموالي لسورية وإيران الذي رشحه لرئاسة الحكومة من غير أن تتماهى معه.

أما التطورات التي سمحت لميقاتي بالاستمرار في مساعي تأليف الحكومة فمتعددة، وأوَّلها أن تكليفه أشاع نوعاً من الارتياح لدى كثير من اللبنانيين الذين يعارضون توجهاته الجديدة والفريق الذي أتى به؛ إذ أزاح شبح "الفتنة" التي كان يهدد بها "حزب الله"، وأعطى نوعاً من الاطمئنان الأمني؛ فالذي يهدد صار متحكماً بالسلطة، والقرار الاتهامي لن يؤدي إلى أعمال عنف حتى ولو اتهم "حزب الله". ثم إن ردود الفعل العربية والدولية على تكليفه، وخصوصاً تلك التي جاءت من الرياض وباريس، كانت مشجعة له على خوض التجربة ومنبهةً معارضيه إلى أنهم يستطيعون الذهاب إلى معارضته بالسياسة ولن يحصلوا على شيء لو أسقطوه في الشارع.

وعلى وقع انتقال عدوى "الياسمين" من تونس إلى مصر، كان ميقاتي يراقب الحذر الدولي في تقييم الأوضاع في العالم العربي، وتغير التقييم مع التطورات، مثلما كان الحريري وحلفاؤه يعاودون تقييم الموقف انطلاقاً من خسارة الرئيس حسني مبارك الذي كان حليفاً أساسياً لهم. فسمع ميقاتي كلمة سر إضافية مفادها أن الهدوء مطلوب في لبنان وأن الحياكة القطرية – الفرنسية لترشيحه تملك خيوطاً إضافية لتسهيل ولادة حكومته ومساعدتها على العبور، سواء عبر مخارج محلية لموضوع التنصل من المحكمة الدولية، أو عبر توافقات دولية تمتص الخطوات المتوقعة من تلك الحكومة.

ومثلما أحاطت بعملية تكليف ميقاتي أسرار وتخلل مساعيه لتشكيل الحكومة كلمة سر ومصادفات، كذلك سيبقى الالتباس أساسياً في مسارها في بلد يؤدي الوضوح الكامل فيه إلى مخاطر وانفجارات.

Share