تكريس التعايش بين الأديان

  • 12 يناير 2010

أخطر ما يمكن أن يواجه العالم أو أيّ دولة من دوله، أن يتحول الدين إلى محور أو مادّة للصراع والمواجهة، حيث تشير تجارب التاريخ إلى أن الحروب والصراعات الدينيّة هي أكثر أنواع الصراعات شراسة وتدميراً وإثارة للكراهية، التي يكون من الصعب محوها، أو معالجتها بسهولة، لأنها تستند إلى معتقدات راسخة في القلوب والأذهان. لذلك فإن حوادث الاعتداء على كنائس أو أفراد مسيحيين، في بعض الدول الإسلاميّة خلال الفترة الأخيرة، أثارت قلقاً كبيراً على المستويات الرسميّة والشعبيّة والفكريّة، وقوبلت بالرفض والانتقاد والإدانة على نطاقين رسميّ وشعبي واسعين في هذه الدول، لما لذلك من دلالات سلبيّة خطرة تنال من قيم التعايش والمواطنة، وتهدد بشكل جدّي الاستقرار الاجتماعي.

واللافت للنظر أن الهجمات التي جرت مؤخراً على بعض المسيحيين أو الكنائس، قد حدثت في دول تمتلك موروثاً تاريخياً راسخاً من التسامح والتعايش الديني، ما يعني أن هناك قوى تقف وراء هذه العمليات، وتعبّر من خلالها عن فكر ضالٍّ ومتطرّف يرفض قبول الآخر، ويتعارض مع الجوهر الحقيقي للإسلام الذي يحترم حقوق أصحاب الديانات الأخرى، ويشدّد على حمايتها والحفاظ عليها، ويشجّع دعاة صراع الحضارات والأديان والثقافات وأصحاب المواقف العنصريّة تجاه الإسلام والمسلمين على شحذ أسلحتهم للنيل منهم، والتحريض عليهم، والإساءة إليهم، وتشويه صورتهم. المثير في الأمر أيضاً أن هذه الاعتداءات على الكنائس قد جاءت في ظلّ غضبة شديدة في العالم الإسلامي ضدّ الاتجاه إلى حظر بناء المآذن في سويسرا، ما وضع المعارضين لهذا الاتجاه في أوروبا أو خارجها في موقف صعب وحرج، وهذا يكشف عن غياب خطر للوعي لدى العناصر التي تستهدف أماكن العبادة المسيحيّة في البلاد الإسلاميّة، وعدم إدراكها تداعيات ما أقدمت عليه، سواء على وضع المسلمين في البلاد غير الإسلامية، أو الجهود التي تبذل لفكّ الارتباط الذي يحاول بعضهم أن يروّج له بين الإسلام والتطرّف.

إن التصدّي لمحاولات إشعال الفتن الطائفية هو مهمّة قوى المجتمعات العربية والإسلامية جميعها، إذ لا تقع المسؤولية في هذا الإطار على أجهزة الأمن وحدها، وإنما هناك مسؤوليات ملحّة تقع على كاهل مؤسسات التنشئة التربوية والاجتماعية، ابتداءً من المنزل، وانتهاءً برجال الدين ودور العبادة، مروراً بوسائل الإعلام والمثقّفين وقادة الرأي والفكر والمؤسسات التعليميّة كافة، حيث تتحمل هذه الأطراف جميعها مسؤولية إنقاذ العلاقات بين أبناء الوطن الواحد ممّا قد يلحق بها من دمار وآثار جرّاء ممارسات عناصر لا تدرك عواقب ما تفعله.

وبالتالي، فإن استهداف دور العبادة أو أتباع أيّ من الديانات في أيّ من الدول يمثل جرس إنذار قوياً ينبغي أن يستنهض القوى المجتمعيّة الفاعلة في هذه الدول، في ظل الحساسية التي طغت على ملف العلاقة بين الأديان في العالم أجمع خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل معالجة هذه الجرائم، قانونياً وفكرياً وإعلامياً، ووأد عواقبها، مسألة ملحّة كي لا تتخذ ذريعة ضد هذه الدول، أو محاولة الانتقاص من سماحة الدّين الإسلامي الحنيف، وكي تبقى الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي للدول العربيّة والإسلاميّة سياجاً يحميها في مواجهة الأعداء والمتربّصين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات