تقرير مجلس حقوق الإنسان.. والحملة الإسرائيلية على دوجارد

إبراهيم عبدالكريم: تقرير مجلس حقوق الإنسان.. والحملة الإسرائيلية على دوجارد

  • 11 مارس 2008

تبين تراكمات الخبرة التاريخية أنه بعد صدور أي تقرير دولي يتضمن إدانة لممارسات الاحتلال الإسرائيلي، سرعان ما تستنفر الدعاية الإسرائيلية والصهيونية طاقاتها لتشويه الحقائق، وتنشط المحاولات لإبراز إسرائيل كضحية لعمليات "الإرهاب" الفلسطيني، وكطرف يحق له الدفاع عن نفسه بالعمل ضد "المخربين" والبنية التحتية التي تمدهم بمقومات الوجود. ويجري تبرير قتل مدنيين بمزاعم عدة، منها أن "الإرهابيين" الفلسطينيين يتخذونهم دروعاً بشرية، وأنه من الصعب تفادي سقوط أبرياء في ساحة الحرب، كما يجري تصوير الإجراءات العقابية (القصف، التصفيات المركزة، الحصار والإغلاق، والاعتقالات.. إلخ) بأنها موظفة في منحى تلبية مقتضيات الأمن الإسرائيلي، وموجهة ضد الذين يهددون هذا الأمن. وفي غالبية الأحيان تعمد الأوساط الإسرائيلية والصهيونية إلى وصم أي انتقادات للسياسة والممارسات الإسرائيلية بأنها تصدر عن دوافع لاسامية (المكافئ المصطنع لكراهية اليهود). وللتذكير فقط، ينطوي الخطاب الصهيوني على الاعتقاد بأن اللاسامية "جرثومة يحملها غير اليهودي"، وأن حالات العداء للسامية لم تضعف، وهي تكمن وتستتر خلف الزاوية وتنتظر اللحظة المناسبة كي ترفع رأسها البشع.

 يصلح هذا التوصيف لتكوين صورة تحليلية عن الحدث الجديد المتمثل بالتقرير الأخير الذي أصدره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ونشره على موقعه يوم 27 فبرابر/شباط 2008، حول الوضع في المناطق الفلسطينية. ولمتابعة التفاعلات المتعلقة بهذا التقرير، يجدر التركيز على المقولة المحورية الواردة فيه، والتي تتلخص بأن ما أسماه "الإرهاب الفلسطيني" هو النتيجة الحتمية للاحتلال الإسرائيلي. فبعد أن تحدث التقرير عن أن "الأعمال الإرهابية الفلسطينية تبعث على الأسى"، أوضح أنها ينبغي "أن تُفهَم على أنها مؤلمة، رغم أنها نتيجة حتمية للاستعمار أو التفرقة العنصرية أو الاحتلال"، في تحديد ضمني لقيام إسرائيل بممارسات وسياسات تتصف بتلك الصفات الثلاثة. وقال معد التقرير، جون دوجارد: "طالما أن هناك احتلالاً، فسوف يكون هناك إرهاب".

 موضحاً أن البديهة توجب علينا التفريق بين ممارسات الإرهاب غير العقلاني، مثل تلك الأعمال التي ارتكبتها "القاعدة"، والممارسات التي ترتكب في سياق حروب التحرير الوطنية ضد الاستعمار أو التفرقة العنصرية أو الاحتلال العسكري. ودعا التقرير لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى عدد من الأمور مثل حواجز التفتيش العسكرية والإغلاق الذي يحد من حرية حركة الفلسطينيين، وتدمير المنازل و"تهويد" القدس. وقال: "إلى أن ينتهي الاحتلال، فإن السلام غير متوقع، والعنف سيتواصل".

 وبصرف النظر عن الإشكالية المتعلقة بمصطلح "الإرهاب" وتطبيقه في الحالة الفلسطينية، يطرح دوجارد المسألة من زاوية منطقية ترتسم أبعادها في صلب تحليل عملية الصراع الجارية بين إسرائيل والفلسطينيين. ويبدو في مركز هذه المسألة وجود ربط عقلاني وعملي بين السبب والنتيجة، ففي مواجهة الاحتلال من الطبيعي أن تكون هناك مقاومة. والإسرائيليون أنفسهم يدركون، ولو جزئياً- هذه الحقيقة التي أفصح عنها تقرير مجلس حقوق الإنسان ومعده جون دوجارد. فكيف تبدو ملامح المسألة المطروحة وتداعياتها؟!

 من المعروف أن مجلس حقوق الإنسان درج على تقليد قانوني بخصوص الأوضاع في المناطق الفلسطينية، قوامه تقصي الحقائق وإعداد التقارير وإصدار البيانات وعقد جلسات خاصة للتداول في التطورات الجارية، غالباً بمبادرة من منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، ومناقشة مشاريع قرارات تقدمها دول عربية وإسلامية. ويظهر من رصد الردود الإسرائيلية على ذلك، أنها تأتي دوماً على المنوال ذاته الذي برعت إسرائيل في صياغته، عبر محاولة محاصرة الحدث وتقديمه بالصورة التي تعطيه مضموناً مغايراً للحقائق التي يقررها.

 وقد جاء الرد الإسرائيلي الفوري على التقرير الجديد من قبل يتسحاق ليفانون، المندوب الإسرائيلي لدى مقر الأمم المتحدة في جنيف، والذي وصف التقرير بأنه "يلهب المشاعر"، ورفض ليفانون تحليل دوجارد وشكك في موضوعيته، قائلاً: "يمكن لدوجارد أن يخدم السلام بصورة أفضل بالتوقف عن شحذ مشاعر الكراهية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين شرعوا في محادثات جادة لحل أسباب هذا النزاع". وسفّه ليفانون رأي دوجارد بالقول: "إن الرابط المشترك بين القاعدة والإرهابيين الفلسطينيين هو أن الجانبين يستهدفان المدنيين بصورة متعمدة، بهدف القتل، ليس إلا".

 وكانت بداية الحملة الجديدة على دوجارد قد صدرت عن ليفانون قبل يومين من نشر التقرير، حين أدان المندوب الإسرائيلي ما أسماه "الهجمات اللاذعة" لمقرر المنظمة الدولية الخاص لشؤون حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، والذي تحدث عن قيام الجيش الإسرائيلي بارتكاب "جرائم حرب جبانة" في قطاع غزة، وعن تعمّد إسرائيل إخضاع الفلسطينيين في غزة، وتعريضهم لعقوبات جماعية، وعدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية في الغارات الإسرائيلية على القطاع. يومذاك، اتهم ليفانون دوجارد بأنه ذو "تاريخ طويل حافل بالهجمات الحادة على إسرائيل"، زاعماً أن الجيش الإسرائيلي "لا يستهدف سوى منظمات إرهابية تتعمد اتخاذ المدنيين الإسرائيليين أهدافاً، وتلك هي جريمة الحرب الفعلية"، حسب قوله.. ولكن هل يستحق دوجارد هذا القذف والتشهير؟. أم أن هناك تجنياً وتهافتاً وعدوانية في الحملة الإسرائيلية الموجهة ضده؟!

 يتضح من دراسة التفصيلات المتعلقة بسيرة جون دوجارد ونشاطاته، أنه شخصية مستقلة ومرموقة؛ فهو رجل مهني مؤهل أكاديمياً وعملياً، وجمع خبرة غنية خلال عمره المديد وبيئته وتحصيله العلمي وتفاعلاته مع المشكلات التي يتصدى لمعالجتها. وهو من مواليد جنوب أفريقيا عام 1936، وكان من المناضلين ضد نظام الفصل العنصري في بلاده، ويحمل درجة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة كامبردج، كما عمل محاضراً جامعياً في العديد من الجامعات في جنوب أفريقيا، وقام بالتدريس في العديد من الجامعات الأمريكية مثل برنستون وجامعة دوك. وعمل قاضياً في محكمة العدل الدولية في لاهاي، ومجالات اختصاصه هي القانون الدولي وحقوق الإنسان والمحاكم الدولية، وله العديد من المؤلفات عن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ويعدّ دوجارد كذلك من أبرز الخبراء ذوي الدراية التفصيلية بحقائق الأوضاع في المناطق الفلسطينية.

 واتساقاً مع سيرته هذه، يصبح من الطبيعي أن يركز دوجارد في تقاريره ومحاضراته على "بيان أوجه التشابه بين الاحتلال الإسرائيلي ونظام الأبرتهايد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا"، من خلال تجربة بلاده وما عاشه شعبه ومشاهداته لما هو عليه واقع الحال في الممارسات على الأرض. ولعل من أهم الشهادات التي قدمها في التعبير عن الحالة الفلسطينية، تأكيده بعد زيارته للضفة الغربية وقطاع غزة في يونيو/حزيران 2006، أن العقوبات التي يتعرض لها الفلسطينيون تعدّ "أشد أشكال العقوبات صرامة في التاريخ"، و"أنها المرة الأولى التي يعامل فيها شعب تحت الاحتلال بهذه الطريقة". وعدد دوجارد بعض الصعوبات التي تواجه الفلسطينيين مثل الحصار الإسرائيلي والجدار العازل الخانق وعمليات تصفية الناشطين الفلسطينيين والمساس بالمدنيين والتضييق على حياتهم اليومية.

 وبالعودة إلى الموقف الإسرائيلي من تقرير مجلس حقوق الإنسان، تقفز إلى الذهن مفارقة جلية، تفصح عن ذاتها عبر ازدواجية النظرة إلى ما يصدر عن الأمم المتحدة ومؤسساتها من قرارات وتقارير. وكمثال؛ تعبّر إسرائيل والأوساط الصهيونية عن غبطتها لثلاثة قرارات اتخذتها الأمم المتحدة، الأول قرار تقسيم فلسطين عام 1947، والثاني قرار الاعتراف بقيام إسرائيل عام 1948، والثالث القرار الذي اتخذ في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2005، والذي يقضي بتخصيص يوم27 يناير/كانون الثاني من كل عام كيوم دولي لإحياء ذكرى ضحايا "الهولوكست" ومحاربة اللاسامية، تخليداً لليوم الذي دخلت فيه قوات الجيش الأحمر السوفييتي معسكر الإبادة أوشفيتس-بركناو في بولونيا عام 1945. ولكن مئات القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة، بمختلف أجهزتها ومؤتمراتها، والتي تسير في منحى إدانة الاحتلال والممارسات الإسرائيلية وتأييد الحقوق الفلسطينية، ليست في نظر الأوساط الإسرائيلية والصهيونية، كما جرى التعبير عن ذلك مراراً، سوى قرارات اتخذها أعضاء في الأمم المتحدة "نزلوا لتوهم عن الأشجار"، في إشارة صريحة إلى أنهم ينتمون إلى "درجة دنيا" في سلم التطور البشري حسب النظرية الداروينية. هذا جزء من الوجه الحقيقي للصهيونية. ومن يبحث عن أجزاء أخرى فلن يجد عناء في العثور عليها لدى رصد وقائع السلوك الإسرائيلي اليومي على الساحة الفلسطينية.

Share