تقرير المصير ومخاطره… تيمور الشرقية، كوسوفو، كردستان العراق

د. عماد حرب: تقرير المصير ومخاطره... تيمور الشرقية، كوسوفو، كردستان العراق

  • 9 مارس 2008

في تطور مهم جداً عام 2002، أعلنت تيمور الشرقية استقلالها عن إندونيسيا بعد أكثر من عقدين من الاحتلال والقمع. وفي شباط/فبراير من العام الحالي (2008)، قررت كوسوفو أن تنضم إلى مجموعة الدول المستقلة ذات السيادة في جنوب أوروبا. وفي عراق اليوم، يواصل القادة الأكراد، بتصميم، التخطيطَ ليوم الانفصال عن بغداد وتأسيس دويلة خاصة بهم على قسم من كردستان التاريخية، تاركين خلفهم باقي الأكراد الذين يعيشون في الدول المجاورة. وإذا كانت الشكاوى العرقية هي المحفز الرئيس الذي يقف خلف حركات التحرر والانفصال هذه، فإن الكيانات الوطنية المنبثقة عنها غالباً ما تواجه، بحسب ما هو مشاهد، صعوبات جمة من انقسامات سياسية بين قادة النخب الحاكمة ومشكلات اقتصادية للأوطان الجديدة. وبالحقيقة، يمكننا وصف حق تقرير المصير بالدواء المر، إذا أُخِذ، فهو يشفي مرض الشكاوى العرقية، غير أن له مضاعفاته الكثيرة التي قد تكون غير معروفة مسبقاً.

 بعد أربعة وعشرين عاماً من حكم إندونيسيا القاسي، صوّت سكان تيمور الشرقية عام 1999 في استفتاء وطني لصالح التحضير للانفصال عن جاكرتا وتأسيس دولة مستقلة. وقد تولت الأمم المتحدة إدارة عملية الاستقلال في عام 2002، فضلاً عن الإشراف على عملية انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة. ولكن الابتهاج بالنجاح في تحقيق حلم استقلال الوطن انتهى عام 2006 عندما انفجر العنف الناجم عن الفقر والبطالة والصراع على السلطة في الإقليم، الأمر الذي دفع مجلس الأمن إلى إصدار قراره الخاص بتشكيل قوة متعددة الجنسيات تقودها أستراليا (تعرف اختصاراً باسم أونميت UNMIT) لتولي مهام حفظ الأمن والاستقرار في الإقليم. وفي 11 شباط/فبراير من العام الحالي، تعرض رئيس البلاد الحائز على جائزة نوبل للسلام "جوزيه راموس-هورتا" ورئيس الوزراء "جوزيه أليكساندر جوسماو" لمحاولة اغتيال، جرح فيها الأول جروحاً بليغة كادت تودي بحياته، بينما نجا الثاني. ويحتاج هذا البلد اليوم إلى مزيد من الاهتمام والعناية؛ فمعدل الدخل السنوي للفرد فيه يعتبر من أدنى المعدلات في آسيا (750 دولاراً أمريكياً حسب إحصاءات البنك الدولي لعام 2006)، كما يعاني البلد من نقص واضح في مرافق البنية التحتية اللازمة للتطور، وهو يعتمد بشكل كبير حالياً على المساعدات الدولية.

 وفي كوسوفو، أعلن رئيس وزراء الإقليم "هاشم ثاتشي"، المتمرد السابق، أنه استحضر عند إعلانه للاستقلال صور أسلافه الذين ناضلوا في السابق لتقرير مصيرهم، وأرسل مؤيديه إلى الشوارع للاحتفال بالانفصال عن صربيا. وكان حلف شمالي الأطلنطي (الناتو) قد قام، قبل نحو تسع سنوات، بحملة جوية ضد القوات الصربية في الإقليم انتهت بتحريره من سيطرة بلجراد، ثم قامت الأمم المتحدة بتشكيل قوة للمساعدة في تحقيق الحكم الذاتي (عرفت اختصاراً باسم أونميك (UNMIK. ولاقى إعلان الاستقلال ترحيباً فورياً في بعض العواصم الأوروبية وفي واشنطن التي كانت البادئة في التشجيع عليه، بينما جاءت اعتراضات بلجراد وموسكو سريعة وقوية، حتى إن الأخيرة أوحت بأنها قد تقوم بتشجيع إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جمهورية جورجيا على الانفصال، وكما كان متوقعاً، فقد أعلن المواطنون الصرب في كوسوفو رفضهم فكرة العيش كأقلية في وطن، أكثريته الساحقة من المسلمين.

 وبينما لا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية المشكلات التي أدت إلى انفصال كوسوفو، فإنه لا يمكن أيضاً التقليل من الصعوبات التي تواجه الحكام الجدد للإقليم في محاولاتهم لبناء دولة مستقلة جديدة؛ حيث يقدر البنك الدولي متوسط الدخل السنوي للفرد في كوسوفو بأقل من 1,000 دولار أمريكي، فيما لا يتعدى المتوسط السنوي لمعدل الرواتب 2,000 دولار فقط. وهناك 37% من السكان يقبعون تحت مستوى خط الفقر ويعيشون على أقل من دولارين في اليوم. وتعتمد كوسوفو على صربيا في إمدادها بالكهرباء، وهذه الأخيرة تسمح بتوصيل هذه الإمدادات إليها فقط لأن الإقليم قسم من شبكة دولية تشترك فيها الدول المجاورة. ويأمل الاقتصاديون في هذا البلد بمجيء المستثمرين الأجانب لاستغلال مليارات الأطنان من الفحم والزينك والرصاص والبوكسيت (صخر يستخرج منه الألومنيوم).

 وعلى الرغم من أن القادة الأكراد العراقيين لا يسعون للحصول على التأييد العالمي لانفصالهم اليوم، فلا أحد يشك في أنهم يعملون بدأب لتقوية حكمهم الذاتي، وقد استفادوا من السياسة الدولية عندما قام مجلس الأمن عام 1991 بحظر الطيران العراقي الحربي فوق شمال وجنوب البلاد للحد من قدرة صدام حسين على محاربة المناوئين للسيطرة المركزية من بغداد. وبالحقيقة، تمتع الأكراد العراقيون بحرية العمل الكاملة لتأسيس مؤسساتهم استعداداً للإعلان النهائي للانفصال. واليوم، يقوم الحزبان الكرديان الرئيسيان، الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، باقتسام غنائم السلطة في الإقليم بعد أن أسسا برلمانهما وشكلا حكومتهما، بل وانتخبا رئيسهما الخاص.

 ورغم نجاح القادة الأكراد في تحسين الوضع المعيشي وتقوية الاقتصاد في إقليم كردستان، إلا أنهم لا يستطيعون الهرب من تبعات الخريطة الجيو-سياسية التي يعملون فيها، فطموحهم نحو الاستقلال يصطدم في الوقت الحالي ببيئة إقليمية غير مواتية نتيجة رفض الولايات المتحدة والحكومة العراقية المركزية لهذه الخطوة، والاجتياحات التركية المستمرة للإقليم، فضلاً عن الاعتراض الإيراني والسوري على هذا التوجه. ومنذ فترة وجيزة، قامت القوات التركية بغزو المناطق الكردية خلال تعقبها لعناصر حزب العمال الكردستاني، وبينما ترددت واشنطن في إدانة أو انتقاد هذا الغزو، ظهر على بغداد أنها فرحة بقدرة أنقرة على تقليم أظافر القادة الأكراد. وبوجود خطر العمليات التركية العسكرية الدائم، والذي لا يبدو أنه سيلقى مقاومة عراقية قوية في أي وقت قريب أو اعتراضاً دولياً قوياً في وقت تركز فيه المجموعة الدولية على محاربة الإرهاب، سيفكر القادة الأكراد ملياً قبل أن يحاولوا تحقيق آمالهم أو تنفيذ أي من خططهم بهذا الشأن، كالسعي إلى ضم مدينة كركوك العراقية إلى إقليمهم، أو عقد صفقات تجارية كبيرة مع العملاء الخارجيين، أو إعلان الاستقلال. وفي الوقت الراهن، سيبقى إقليم كردستان محكوماً من قبل فريقين من النخبة الكردية التي تسيطر على كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأكراد.

 ولا يسعنا عند التفكير في إعلان تقرير المصير في كوسوفو إلا أن نتساءل عن مصير الطموحات الفلسطينية في إقامة دولة مستقلة، فعندما قرر سكان تيمور الشرقية ومواطنو كوسوفو المطالبة بالاستقلال (يمكن أن يكون الحال كذلك في كردستان العراق في المستقبل)، قامت المجموعة الدولية بتشجيعهم على ذلك. ولكن عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين الذين يعانون اليوم من كل ما عاناه الآخرون بالأمس، ترفض الولايات المتحدة والمنظومة الدولية تحقيق آمالهم، بالرغم من تأييد الرئيس جورج بوش لحقهم كغيرهم في دولة مستقلة. وهنا تجتمع أقل الأسباب الاستراتيجية والسياسية عدالة لتمنع الفلسطينيين من حقهم في تقرير مصيرهم، وتشمل هذه الأسباب: القوة الإسرائيلية، والتحيز الأمريكي المعلن لإسرائيل، وحالة الضعف والانقسام العربيين، إضافة للانقسامات الفلسطينية.

 وأخيراً، لا بد من التذكر بأن الشكاوى العرقية والدينية التي تشكل حجر الأساس لتقرير المصير تستوجب وجود سياسة قوية وقدرة كبيرة على الحكم لإنجاز الاستقلال الذي ينهيها، فتيمور الشرقية لا تزال تنتظر نهاية الخلافات القائمة بين نخبتها السياسية حول تقاسم الحصص، وكوسوفو بدأت في مواجهة تداعيات إعلان استقلالها وكونها من أفقر الدول الأوروبية، فيما تتساءل كردستان العراق عن إمكانية نجاح خطواتها الآتية. وتبقى مسؤولية المجموعة الدولية مركزة في كيفية مساعدة كل وطن على تحقيق استقلاله بأقل الخسائر الممكنة، غير أن هذه المسؤولية لابد أن تكون مقرونة بلعبة سياسية عادلة تشمل الفلسطينيين كأحد لاعبيها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات