تقارير وتحليلات.. مسار الأحداث في إدلب وتضارب المصالح بين روسيا وتركيا هناك

  • 28 أغسطس 2019

تنذر أعمال العنف المتواصلة في الشمال السوري وظهور خلافات بين موسكو وأنقرة بشأن هجمات الجيش السوري على محافظة إدلب، بمزيد من التصعيد، ويجعل الأزمة السورية التي شهدت هدوءاً كبيراً في معظم الجبهات منذ أكثر من عام مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها تجدد القتال في جبهات أخرى.
كانت الأزمة السورية وتحديداً التطورات في إدلب في صلب أهداف الزيارة التي قام بها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان إلى روسيا والتقى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ وبرغم التفاهمات القائمة بين البلدين وهي التي يدعمها التعاون التجاري وخاصة العسكري منه، فلم يستطع الرئيسان إخفاء خلافاتهما، حيث أكد الرئيس الروسي أن موسكو تتفهم مبعث القلق التركي، ولكنها بالمقابل قلقة بالقدر نفسه من هجمات المتطرفين، وقد أكدت موسكو أن هجمات النظام السوري لا تخل بالاتفاقيات بين موسكو وأنقرة. وقد كشف الرئيس الروسي عن اتفاق موسكو وأنقرة على خطوات للتصدي للمتشددين في شمال غرب سوريا ولإعادة الوضع إلى طبيعته.
ومع ذلك فإن الخلاف بين روسيا وتركيا يتمحور حول وجود القوات التركية في محافظة إدلب، حيث تريد موسكو من تركيا سحب قواتها وقوات المعارضة السورية من جنوب المدينة، ونقلها إلى منطقة درع الفرات في الشمال، وهو ما يعني انسحاب تركيا التام من جنوب المحافظة؛ ووفقاً لموقع المونيتور الأمريكي نقلاً عن مصادر تركية، فقد رفضت تركيا ذلك، وعرضت على الجانب الروسي نقل الجنود الأتراك إلى مواقع عسكرية تركية أخرى حول المدينة. وتريد روسيا من وراء ذلك فرض مزيد من السيطرة على المنطقة التي يتمتع الأتراك فيها بنفوذ واضح؛ وتسعى موسكو إلى إعادة إطلاق الطريق السريع M5 الذي يربط إدلب بحماة والطريق M4 الذي يصل حلب بدمشق. وفي المقابل، تريد أنقرة من روسيا وقف الهجمات التي يقوم بها النظام بدعم روسي؛ وهي مهتمة أكثر في معرفة إذا ما كان فشل روسيا في إيقاف الضربة الجوية التي تعرض لها الرتل العسكري التركي مؤخراً كان نتيجة الإهمال أو أنه تجاهل مقصود؛ وهذا بالطبع يمثل أمراً مهماً لتركيا؛ لأنه يمس علاقات التعاون المتنامية بين موسكو وأنقرة التي ضحت بعلاقاتها مع حلفائها في الغرب من أجل تقارب أكبر مع روسيا، وخاصة في المجال العسكري. ولهذا، فإن معرفة موقف موسكو من الوجود التركي وإذا ما كان لها دور بشكل أو بآخر في عملية استهداف قوات تركية، ربما يدفع أنقرة إلى إعادة حساباتها في أكثر من اتجاه.
ولكن الوضع في شمال غرب سوريا ليس السبب الوحيد للخلاف بين أنقرة وموسكو؛ فهناك مسألة إنشاء منطقة آمنة خاضعة لتركيا على الشريط الحدودي في العمق السوري، وترى موسكو أن إمكانية قيام الولايات المتحدة وتركيا بإنشاء هذه المنطقة، يعد تهديداً واضحاً لاستراتيجية النظام التي تتبناها روسيا بشكل صريح والمتمثلة بفرض السيادة على جميع الأراضي السورية. وتعتقد موسكو أن خطة السلام التي تم التفاوض عليها مسبقاً ضرورية لإبعاد تركيا عن الخطط الأمريكية في سوريا، وأنها لا يمكن أن تتجاهل إمكانية وجود شراكة تركية – أمريكية تمتد إلى المنطقة الواقعة شرق الفرات؛ ولهذا، فإن التطورات القائمة وعدم توصل الجانبين إلى تفاهمات وحلول سريعة سيؤثران في علاقات تركيا بروسيا؛ ويضيقان الخيارات أمام أنقرة.
تأتي هذه التطورات بينما يجري الحديث عن استقالات في صفوف ضباط كبار في الجيش التركي، ممن يتولى بعضهم مهام القيادة للقوات التركية في مناطق شمال سوريا؛ ما يفاقم من التحديات التي تواجه أنقرة في الملف السوري عموماً، ولاسيما في موضوع تشكيل منطقة آمنة على الحدود السورية – التركية، وخاصة أن هناك إصراراً على تحقيق ذلك، وتفاهمات جرى الحديث عنها تمت بين واشنطن وأنقرة من أجل المضي قدماً في إقامة تلك المنطقة. كل هذا لا شك سيلقي بظلاله على العلاقات التركية – الروسية، وربما يدفع تركيا إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، ولكن لن يكون هذا من دون دفع أثمان أيضاً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات