تقارير وتحليلات: كيف يمكن اعادة الاستقرار المفقود إلى ليبيا؟

  • 23 يناير 2020

تناول دانييل ديبيتريس، الخبير في منظمة «أولويات الدفاع»، وهي منظمة للسياسة الخارجية تركز على الترويج لاستراتيجية كبرى واقعية لضمان الأمن والازدهار الأمريكي، في مقاله المنشور بمجلة «ناشونال إنترست» الأمريكية، الوضع في ليبيا بعد مؤتمر برلين، الذي عُقِد مؤخراً، ومآلات الأوضاع فيها، في ظل ضبابية المشهد وعدم وجود مؤشرات إلى التزام تنفيذ بيان مؤتمر برلين.
لم تعد ليبيا، على مدى السنوات التسع الماضية، دولة ذات سيادة؛ إذ فقدت الدولة المنتجة للنفط، الواقعة في شمال إفريقيا، استقلالها في خضم حرب أهلية تغذيها العديد من القوى الخارجية التي ليست لديها أي مشكلة في استخدام ليبيا لمصالحها الخاصة. ففي ليبيا يتم تقسيم كل شيء من صناعة النفط إلى السلطة السياسية؛ فقد امتدَّ الصراع بين الحكومة المعترَف بها دولياً في طرابلس والجيش الوطني الليبي، المتمركز في شرق ليبيا والتابع للمشير خليفة حفتر، على مدار السنوات الست الماضية من دون وجود أي نهاية تلوح في الأفق. وقد توقف هجوم حفتر العسكري المستمر منذ نحو عام على طرابلس، بعدما وحَّدت الميليشيات، التي عادة ما تتوجَّس خيفةً من بعضها بعضاً، صفوفها في غرب ليبيا للدفاع عن العاصمة. وأعقب ذلك العديد من المجازر عندما أسقطت الطائرات من دون طيار حمولاتها على أهداف مدنية.
ومن الناحية العملية؛ فإن كل القوى الخارجية التي لها وجود في الساحة الليبية تدرك أنه لا يوجد هناك طرف قادر على الانتصار على الطرف الآخر عسكرياً. ولا يزال هناك خلاف كبير حول كيفية حل النزاع دبلوماسياً. وقد حاول الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الجمع بين رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، والمشير خليفة حفتر معاً في الأسبوع الماضي لتوقيع وقف لإطلاق النار، ولكن حفتر سارع إلى المغادرة، ورفض توقيع الاتفاق.
ويوم الأحد الماضي بدأت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، من حيث توقف بوتين؛ إذ دعت السراج وحفتر إلى حضور مؤتمر برلين، بالإضافة إلى القوى الأجنبية الكبرى التي انتهكت مراراً الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على تصدير الأسلحة إلى ليبيا. وحضر المؤتمر عدد من الداعمين الرئيسيين لحفتر، مثل مصر وروسيا وفرنسا، بينما حضر المؤتمر كذلك عدد من الداعمين الرئيسيين للسراج، مثل تركيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي. وكان الغرض من المؤتمر، كما وصفته المستشارة ميركل، هو «جعل جميع الأطراف التي لها علاقة بالصراع الليبي، بأي شكل من الأشكال، يتحدثون بصوت واحد».
وكانت المحادثات في برلين أكثر نجاحاً من المحادثات في موسكو؛ فبعد أربع ساعات من المناقشات وافق الحاضرون على بيان من ست صفحات يهدف إلى تجميد القتال في الخطوط الأمامية استعداداً لحوار سياسي شامل وليبي، وكذلك احترام قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فيما يتعلق بليبيا، ولاسيما الحظر المفروض على توريد الأسلحة إليها.
ولم يتمكن أحد من العثور على السراج وحفتر معاً؛ ففي الوقت الذي كان يتم فيه إطلاعهما على كل المستجدات أولاً بأول، رفض كل منهما الجلوس مع الآخر في غرفة واحدة. فالرجلان يحتقران بعضهما بعضاً؛ لأن السراج يعتقد أن حفتر هو المعتدي الذي يسعى إلى اقتحام طرابلس ويمارس دكتاتورية عسكرية في قالب معمر القذافي، بينما ينظر حفتر إلى حكومة السراج في طرابلس على أنها حكومة ضعيفة وغير قانونية، وتعتمد بالكامل على الميليشيات التي يهيمن عليها المتطرفون الإسلاميون.
والأمر المهم في هذا السياق أنه ما دام اللاعبون الخارجيون، مثل مصر وتركيا وروسيا، يسعون إلى إطالة أمد هذه الحرب؛ فلن تنجح أي دبلوماسية داخل ليبيا. ففي الوقت الذي تشعر فيه موسكو بالتعب والإحباط من إطالة أمد الصراع؛ فإن مصر تنظر إلى جيش حفتر في الشرق على أنه أفضل حصن ضد حكومة يسيطر عليها الإسلاميون. وفي المقابل ينظر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، المتهوّر الذي يمارس أحلام العظمة، إلى ليبيا على أنها فرصة لتوسيع النفوذ التركي في شمال إفريقيا، وتوقيع صفقات الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، وجعل أنقرة لاعباً فاعلاً في مسرح آخر من العالم العربي.
وممَّا لا شك فيه أن بيان برلين غير كافٍ للتغلُّب على هذه الاختلافات، ولن يعني البيان أي شيء إذا لم ينفَّذ بشكل حازم، ولم تتم مراقبة وقف إطلاق النار بشكل صارم؛ فالمحادثات في برلين هي مجرد خطوة أولى، أما بالنسبة إلى الليبيين؛ فإن بيان مؤتمر برلين هو مجرد ورقة أخرى.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات