تقارير وتحليلات.. رفع إيران درجة تخصيب اليورانيوم.. مخاطر إقليمية وتداعيات دولية

  • 8 يوليو 2019

ينطوي إعلان إيران زيادة درجة تخصيب اليورانيوم إلى خمسة بالمائة، على خطورة كبيرة؛ ليس لأنه خرق صريح للاتفاق النووي الموقع بينها وبين مجموعة 5+1؛ ولكن لأن تداعياته ستكون خطيرة؛ وقد ينذر بعواقب وخيمة.
كان هدف الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي، بالإضافة إلى ألمانيا، منتصف عام 2015، هو تجميد برنامج إيران النووي، وتحديداً منعها من تخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد من قدرتها على إنتاج أسلحة نووية؛ وكان موضوع النسبة محل جدل وتفاوض لسنوات، لأنه يرتبط بقدرة الدولة على إنتاج سلاح نووي في وقت محدد؛ وقد تم حسم الخلاف من أجل التوصل إلى اتفاق، وذلك بقبول التخصيب عند نسبة لا تتجاوز 3.67%؛ كما تم تحديد عدد أجهزة الطرد المركزي. ولم يكن الاتفاق يقضي بوقف برنامج إيران النووي نهائياً. وهذا بالطبع أحد أهم المآخذ عليه، حيث لم يكن يضمن منع إيران من امتلاك سلاح نووي للأبد؛ وهو ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى انسحاب بلاده من الاتفاق، وهو أيضاً من أهم أسباب معارضة دول المنطقة له؛ ولكن، مع ذلك، تكمن أهمية الاتفاق في أنه يهدف إلى تمديد الوقت الذي ستحتاج إليه إيران لإنتاج قنبلة نووية، إذا اختارت ذلك، من نحو شهرين أو ثلاثة إلى سنة.
ومن ثم فإن تحديد نسبة تخصيب منخفضة هي في الواقع أهم بنود الاتفاق؛ بل لا قيمة للاتفاق مطلقاً، مع كل العيوب الأخرى التي تعتريه، من دون هذا البند. وأي مخالفة لهذا البند تعني نعيه. فتجاوز الحد الذي حدده الاتفاق بأي نسبة، هو ليس مجرد خرق صريح للاتفاق، بل هو نسف له؛ ورفع نسبة التخصيب إلى 5% بعد أن كان الحديث عن نحو 3.5% هو قفزة كبيرة؛ وينطوي بالفعل على مخاطر حقيقية:
• • أولاً، يمثل هذا الإجراء تصعيداً إيرانياً خطيراً ليس مع الولايات المتحدة فقط، ولكن مع المجتمع الدولي بأكمله؛ وهو يمثل على وجه الخصوص حرجاً للقوى الأوروبية التي ما زالت تؤكد التزامها بالاتفاق النووي، ما دامت إيران كذلك؛ وبما أن طهران تعلن بنفسها خرقها بنود الاتفاق وتخفض التزامها بموجبه، فهي هنا تحرج الاتحاد الأوروبي وتضعه في موقف صعب؛ حيث لا يترك هذا لهم فرصة للبقاء في الاتفاق. وقد عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني حسن روحاني، عن قلقه الشديد من أي خطوات أخرى لإضعاف الاتفاق النووي، وحذر من عواقب خطيرة لذلك. كما أكد دبلوماسيون أوروبيون أن ارتكاب طهران المزيد من الانتهاكات للاتفاق قد يدفع أطرافه الأوروبية – ألمانيا وفرنسا وبريطانيا – إلى تفعيل آلية لحل النزاعات في الاتفاق، وهذا الأمر قد يفضي في النهاية إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي تم رفعها عن طهران بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
• • ثانياً، يتيح لإيران الحصول على الكمية الكافية واللازمة لإنتاج سلاح نووي في فترة قصيرة، ربما لا تتجاوز السنة بحسب بعض المراقبين. وهذا أمر خطير ولا خلاف على أنه يشكل تهديداً ليس فقط للاستقرار الإقليمي، وإنما أيضاً للأمن والسلم الدوليين؛ وذلك بالنظر إلى خطورة النظام الإيراني الذي لا يمكن الحكم على سلوكه إذا ما امتلك سلاحاً نووياً. وقد سبق أن حذرت قوى إقليمية من امتلاك إيران للسلاح النووي؛ وأكدت أنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه هذا الأمر؛ ومن ثم فإن خيارات هذه الدول لامتلاك أسلحة نووية أيضاً تقوى، وهو أمر مشروع من أجل ردع إيران؛ ولا شك أن كل هذه التفاعلات يمكن أن تقوض الأمن الإقليمي؛ بل قد تقود إلى نزاع مسلح.
إذاً، نحن أمام تطور خطير، ليس فقط لأنه يزيد من حالة التوتر في المنطقة وقد يقود، في ظل فقدان الثقة بين الفواعل في المنطقة، إلى حرب إقليمية شاملة، ولكن أيضاً لأن تداعياته تتجاوز حدود المنطقة، حيث يعزز قيام إيران برفع درجة التخصيب، من فرص سباق التسلح النووي والتقليدي على حد سواء؛ فعدم قدرة المجتمع الدولي على منع إيران من الأدوات اللازمة لامتلاك إيران سلاحاً نووياً، يفقد ثقة الدول الأخرى في المنطقة والعالم بالنظام الدولي؛ ويدفعها إلى البحث عن كل السبل التي تضمن لها الحماية، بما في ذلك امتلاك سلاح نووي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات