تقارير وتحليلات: الخلافات التركية- الأمريكية.. الأسباب والمظاهر

  • 24 يونيو 2019

انتقلت العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا خلال السنوات الأخيرة من مرحلة التقارب والتحالف الاستراتيجي الوثيق إلى مرحلة أقرب إلى التصادم بين البلدين، فما هي أسباب ذلك، وفيما تتجسد مظاهره، وما هي النتيجة التي سيقِف عندها؟
شهدت علاقات البلدين تقارباً ملحوظاً في العقدين الماضيين في إطار حلف شمال الأطلسي، كما اشتركَا في العديد من وجهات النظر حول العديد من القضايا السياسية في منطقة الشرق الأوسط، لكن بدايات الخلاف بين الطرفين قد بدأت تلوح في الأفق مع التوجه الجديد للرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، حين بدأ ينتهج سياسة صدامية مع معظم دول الغرب تغذيها نزعة قومية مستمدة من أمجاد الماضي؛ لتعرف علاقة البلدين توتراً غير مسبوق مع تولي دونالد ترامب قيادة البيت الأبيض في عام 2016.
أما الخلافات الراهنة والتي تُعتبر الأعنف من نوعها- على حد تعبير الكثير من المراقبين- فتعود إلى إصرار تركيا على إكمال صفقة شراء صواريخ إس- 400 الروسية؛ إذ من المتوقع أن تكتمل بوصولها إلى تركيا نهاية شهر يونيو الجاري؛ الأمر الذي يثير حفيظة واشنطن وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تشكل تركيا إحدى أعضائه، وبالتالي ترى واشنطن أن تلك العضوية تحتم عليها العديد من الالتزامات تجاه تحقيق الأمن الجماعي لدول الحلف بدلاً من التحرك بصورة منفردة، وخاصة في ظل العديد من المؤشرات التي تؤكد ابتعادها تدريجياً عن المعسكر الغربي، والتقارب مع المعسكر المعادي الذي تتزعمه روسيا. وتبرر واشنطن معارضتها للنظام الصاروخي الروسي إس- 400 كونه يمثل تهديداً مباشراً للطائرة الأمريكية المقاتلة إف 35-، والتي يتدرب عليها طيارون أتراك على يد مدربين أمريكيين، وبالتالي ترى واشنطن أن امتلاك تركيا الطائرة الأمريكية نفسها ونظام الصواريخ الروسي في الوقت نفسه يمكن أن يوفر لموسكو فرصة للاطلاع على الأسرار العسكرية الأمريكية التي تخضع لحراسة مشددة.
ونتيجة لهذه المخاوف نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، منتصف يونيو الجاري، خبراً مفاده أن وزارة الدفاع الأمريكية منحت تركيا مُهلة حتى 31 يوليو لإلغاء صفقة نظام الصواريخ الروسي قبل استبعاد طياريها من برنامج التدريب على المقاتلة إف 35- بالكامل.
ورغم التعنت التركي الذي بات سِمة غالبة على تصريحات أردوغان تجاه منتقديه خلال السنوات الأخيرة، يرى العديد من المراقبين أن الخلافات المتعلقة بصفقة السلاح الروسي ليست سوى إحدى مظاهر الخلاف العميقة بين قيادتَي البلدين، والتنافر في مواقفهما. فأردوغان الذي بدأ يكرس حضوره كرئيس ديكتاتوري، وحاكم أوحد في تركيا بُعيد محاولة الانقلاب الفاشلة وانتخابات تعديل النظام الرئاسي، لم يعُد يرى في شخص ترامب سوى القائد الغربي المستفز، وصاحب النزعة الاستعمارية الجديدة، فيما لا يتردد ترامب في ممارسة سياسته القائمة على فرض النفوذ الأمريكي باستخدام خطاب الهيمنة والبراغماتية البحتة.
ولذا، يرى العديد من المراقبين أن وجود كلا الرجلين على رأس بلديهما يجعل البلدين يعيشان حالياً إحدى فترات الشد في العلاقات الأمريكية – التركية.
فيما تعود مظاهر الخلاف بين البلدين- بحسب متابعين- إلى بداية الأزمة السورية واختيار واشنطن دعم أكراد سوريا بشكل أغاظ أنقرة، إضافة إلى رفضها تسليم الداعية التركي فتح الله غولن الذي يتهمه أردوغان بالوقوف وراء تدبير المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016. ونظراً لعجز تركيا عن إقناع واشنطن بالتخلي عن دعم الأكراد أو دفعها لتسليم الداعية فتح الله غولن، أمعنت أنقرة في التقارب مع موسكو، وتغاضت عن التواجد الإيراني في سوريا؛ نكاية بواشنطن من جهة، لكنها من جهة أخرى تسعى لتوسيع دائرة التسلح بعدم اقتصارها على نمط التسليح الخاص بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة في ظل العديد من الملفات المتوترة في علاقاتها مع دول الحلف، وهو توتر يدخل في سياق خلافاتها السياسية مع العديد من أعضائه كألمانيا مثلاً. لكن بعض المتابعين وإن كانوا يرون في هذه الخلافات إعادة للخلافات العثمانية- الأوروبية القديمة، فإنهم يؤكدون أن طبيعة العلاقات المعاصرة بين الدول الكبرى تحتم على تركيا الحفاظ على الخيط الذي يربطها بدول أوروبا؛ نظراً لحاجة الطرفين إلى بعضهما بعضاً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات