تقارير وتحليلات.. «التنسيق السعودي-الإماراتي».. نموذج ملهم في التعاون والتكامل

  • 15 يناير 2020

صنعت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تجربة رائدة ومميزة من نوعها، وذلك بتأسيس مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي في عام 2016، بهدف تنسيق جميع مجالات العمل والتعاون المشترك بينهما، في المجالات الاقتصادية والتنموية والعسكرية.
الاجتماع الأول الذي عقده مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي في مايو عام 2018، تحت مسمى «استراتيجية العزم»، تم فيه إعلان 44 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً بين دولة الإمارات والسعودية، ليكون بداية لافتة للنظر في مأسسة وتطوير مجالات التعاون بين البلدين، وخاصة أن المجلس جاء للإسهام في وضع رؤية مشتركة لتعميق واستدامة العلاقات بين الدولتين، بما يتسق مع أهداف مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في تعزيز المنظومة الاقتصادية المتكاملة والتعاون والتكامل في المجال السياسي والأمني والعسكري، وبما يضمن تنفيذ فرص التعاون والشراكة بينهما بشكل فعّال، ويبرز مكانتهما الدولية في تلك المجالات.
ويُنظر إلى مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي بكثير من الأهمية انطلاقاً من دوره في إيجاد حلول مبتكرة للاستغلال الأمثل للموارد، وبناء منظومة تعليمية فعّالة ومتكاملة، والتركيز على القطاعات الحيوية التي تهدف الدولتان إلى تعزيز نموها ومساهمتها في الناتج الإجمالي لكل منهما وتمكنهما من تحقيق مستهدفاتهما التنموية المنشودة؛ إذ يضم المجلس 16 وزيراً من القطاعات ذات الأولوية، وذلك لضمان متابعة سير العمل على تنفيذ المشروعات الاستراتيجية المشتركة ومناقشة المبادرات المقترحة ومؤشرات قياس الأداء الخاصة بها.
لقد قامت العلاقة بين الدولتين على استراتيجيات متوازنة واستشرافية؛ تبدأ بمجالات تخطيط وتنفيذ المشروعات المشتركة والاستثمارات اللازمة لتحقيق الطموحات، وفق منهج سياسي واقتصادي وتنموي، يعتبر رفاه مواطني البلدين هو الهدف الأسمى، ويضمن الاستقرار للاقتصاد والاستدامة للتنمية؛ حيث يضم المجلس اللجنة التنفيذية، وهي لجنة معنية بمتابعة سير أعماله وتطبيق أفكاره ومبادراته ومشروعاته، وتوقيع الاتفاقيات، وإزالة أي معوقات قد تعرقل تحقيق تلك المبادرات والمشروعات، حيث عقدت اللجنة اجتماعها الأول في يناير 2019 في مدينة أبوظبي، وعقدت الثاني في إبريل من العام نفسه في الرياض، في إطار تفعيل رؤية الدولتين المشتركة للتكامل الاقتصادي والتنموي والعسكري.
وفي الـ 27 من نوفمبر 2019، عقد مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي اجتماعه الثاني، برئاسة رئيسيه؛ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، وذلك سعياً إلى الاستمرار في خلق فرص جديدة، تُسهم في تطوير البلدين اقتصادياً وبشرياً ومعرفياً، واستدامة الشراكة وتكثيف التعاون الثنائي في الموضوعات ذات الأولوية، ومتابعة سير العمل في المبادرات والمشروعات المشتركة، وتوظيف إمكاناتهما التجارية والاستثمارية لدفع عجلة التنمية، بما يعزز مكانتهما الرائدة باعتبارهما أكبر اقتصادين عربيين.
وحقق المجلس مجموعة من المزايا لدولة الإمارات والسعودية؛ حيث أسهم في إطلاق مبادرات ومشروعات مشتركة في المجالات كافة؛ ففي مجالات التعليم، تم اعتماد مشروعات مشتركة ومبادرات تُسهم في دعم القطاع، من خلال التركيز على الفرص المتاحة في مجالات التعليم العالي، والأبحاث، والتعليم العام، والتعليم الفني، إضافة إلى التوأمة الاستراتيجية التي تضمن الاستفادة الأكبر من مؤسسات الدولتين التعليمية، فضلاً عن العمل على تعزيز منظومة التعليم الرقمية، التي تسهم في إعداد أجيال مواطنة ذات كفاءة تقنية عالية، وتصل بالدولتين إلى هدفهما المنشود في الوصول إلى اقتصاد معرفي.
كما تم العمل على تعزيز التعاون والتنسيق في مجال الإعلام لإيصال الرسائل المشتركة وتفعيل الجهود والبرامج والخطط الطموحة للتنمية والتطوير، والارتقاء بالعمل الإعلامي المشترك، عبر اللجنة السعودية-الإماراتية للتعاون الإعلامي، واعتماد مبادرات تحسن من مستوى العمل الإعلامي المرئي والمسموع، وترفع كفاءته وتنافسيته، من خلال تنمية المهارات وخلق فرص عمل للمواطنين في القطاع، وزيادة الاستثمار فيه. وفي السياحة، أسهم المجلس في خلق إطار محفز للاستغلال الأمثل للموارد، استناداً إلى ما تتسم به دولة الإمارات والمملكة من غنى ثقافي وتاريخي وديني، كما تم العمل على صياغة رؤية سياحية مشتركة ووضع برامج ترويجية تخدم القطاع في البلدين، وترسخ بالتالي من سياساتهما القائمة على تنويع مصادر الدخل. أما في الرياضة، فقد تم إنشاء الصندوق الرياضي المشترك الهادف إلى تعزيز التعاون الرياضي بين البلدين ورفع وتطوير مستوى الرياضة، إضافة إلى العمل مستقبلاً على إطلاق برامج نوعية متعددة لرياضة المرأة في الدولتين.
وسعياً إلى تعزيز التكامل بين الدولتين، تم اعتماد مجموعة مبادرات لرفع الأداء وتسهيل معاملات مواطنيهما؛ كمبادرة تسهيل انسياب الحركة بين المنافذ الجمركية، التي أسهمت في خفض «مدة الفسح الجمركي» من 14 ساعة في عام 2018 إلى 4 ساعات في عام 2019. وفي مجالات التعاون النقدي، وبهدف تعزيز الأمن المالي وتوفير بيئة تقنية رقمية تنافسية وآمنة، تم إصدار عملة رقمية إلكترونية (تجريبية) ومحصورة التداول بين عدد من بنوك البلدين، وذلك لاستكشاف أبعاد تقنيات سلاسل الكتل والسجلات الموزعة، بوصفها تقنيات واعدة للمستقبل، وتحديد مدى ملاءمتها لإجراء عمليات التحويل بين البنوك محلياً وبشكل خاص عبر الحدود بأسلوب يقلص الإجراءات والتكاليف، حيث بدأ تطبيقها الذي سيستمر لمدة ثلاثة أشهر، لتتم بعدها معرفة جدوى الاستمرار بالمشروع وإمكانية توسيع نطاق التعامل مع بنوك دول أخرى.
وكان الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق السعودي-الإماراتي، في نوفمبر الماضي فرصة لتوقيع أربع مذكرات تفاهم جديدة في مجالات الصحة والثقافة والفضاء والأمن الغذائي، وإطلاق 7 مبادرات استراتيجية هي: التأشيرة السياحية المشتركة، وتسهيل انسياب الحركة بين المنافذ الجمركية، واستراتيجية الأمن الغذائي المشتركة، التي تهدف إلى توثيق العمل في هذا المجال لضمان التغلب على التحديات الغذائية التي تواجه البلدين بصورة خاصة والمنطقة بصورة عامة، ومبادرة حول الأمن السيبراني، التي أسهمت في خفض الهجمات السيبرانية مقارنة بإجمالي الهجمات السيبرانية على القطاعات الحساسة بنسبة 55%، وانخفاض المدة اللازمة للاستجابة للهجمات السيبرانية من 24 ساعة بحد أقصى إلى 6 ساعات، وانخفاض المدة اللازمة للتعافي من الهجمات السيبرانية بنسبة 25%.
ويعدّ اعتماد مشروع المصفاة العملاقة الجديد بين دولة الإمارات والسعودية أحد أهم المجالات الرائدة في تحقيق أمن الطاقة، حيث سيتم بناء مصفاة جديدة لتكرير النفط الخام بطاقة استيعابية تبلغ 1.2 مليون برميل نفط يومياً، إضافة إلى بناء مجمع حديث للبتروكيماويات بتكلفة تقديرية مبدئية تبلغ 70 مليار دولار في ولاية ماهاراشترا في غرب الهند، بهدف توريد ما لا يقل عن 600 ألف برميل يومياً من النفط الخام الإماراتي والسعودي للسوق الهندية، وتأمين منافذ مخصصة لمبيعات الدولتين من النفط الخام في السوق الهندية للتكرير والبتروكيميائيات. وعن مجلس الشباب السعودي-الإماراتي، فقد تم إطلاق منصة تفاعلية ودليل استرشادي يُوضح آلية عمل المجلس وأهدافه، وإعداد تقرير ربع سنوي عن أدائه وإيصال أفكار الشباب إلى متخذي القرار في البلدين.
ويُنظر إلى العلاقة الاقتصادية بين الدولتين بأشكالها كافة، وعلى رأسها الاستثمار والتجارة، بوصفها الأكبر بين دول «مجلس التعاون»؛ حيث تعدّ دولة الإمارات واحدة من أهم الشركاء التجاريين للمملكة عربياً وإقليمياً، وذلك ببلوغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 72 مليار درهم في 2018. كما تتجاوز استثمارات المملكة في دولة الإمارات 35 مليار درهم، بوجود نحو 2366 شركة سعودية مسجلة و66 وكالة تجارية، فيما يبلغ عدد المشروعات السعودية في دولة الإمارات 206 مشروعات، بينما يصل عدد المشروعات الإماراتية في المملكة إلى 114 مشروعاً صناعياً وخدمياً، برأسمال قدره 15 مليار درهم.
لقد تعددت أوجه التعاون والتكامل الاستراتيجي بين دولة الإمارات والسعودية، وطالت جوانب عدّة من القطاعات الحيوية التي تحفّز سياسات التنويع وتنتقل باقتصادهما إلى اقتصادات تنافسية تقوم على الابتكار والمعرفة؛ عبر مجموعة مبادرات ومشروعات في العديد من المجالات، وأبرزها الخدمات والأسواق المالية، والسياحة، والطيران، وريادة الأعمال، والجمارك والصحة والفضاء والثقافة والطاقة والصناعة والبيئة والسياحة والإعلام، والبحث في تفعيل مشروع السوق المشتركة المفتوحة بينهما للإسهام في تحقيق التنوع والتكامل، وتعزيز قوة اقتصادات الدولتين وموقعهما على الخريطة الدولية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات