تقارير وتحليلات: التأسيس لمرحلة جديدة من الشراكة «الإماراتية – الصينية»

  • 27 يوليو 2019

زيارة الدولة التاريخية التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، إلى جمهورية الصين الشعبية الصديقة، خلال الأيام الماضية، وما أسفرت عنه من نتائج بالغة الأهمية في مجالات التعاون المختلفة، تؤسّس لمرحلة جديدة من الشراكة «الإماراتية – الصينية»، عنوانها التفاهم المشترك إزاء مجمل القضايا الإقليمية والدولية، وفتْح آفاق واعدة أمام مستقبل العلاقات الثنائية تواكب طموحات البلدَين والشعبَين الصديقَين، وتستجيب إلى تطلعاتهما نحو مزيد من التنمية والرخاء والازدهار.
الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها خلال هذه الزيارة تحظى بأهمية كبيرة، ليس فقط لتنوعها لتشمل مختلف مجالات التعاون بين الدولتَين؛ الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، ونقل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وحماية البيئة والأمن الغذائي والثقافة والتعليم، وإنما لأنها تتضمن أيضاً أطراً زمنية ومؤسّسية لضمان تنفيذها، وذلك من خلال اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بين البلدَين، والتعاون المشترك بين المؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص في البلدَين للاستثمار والتنمية في بلدان أخرى.
في الوقت ذاته، فإن البيان الختامي الصادر في نهاية هذه الزيارة يقدم رؤية متكاملة لمستقبل العلاقات «الإماراتية – الصينية» خلال السنوات المقبلة، حيث أكد أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة والتطورات الإيجابية في العلاقات الثنائية الخاصة والمتميزة، وتبادُل وجهات النظر الهادفة إلى توسيع سبل التعاون الثنائي إلى آفاق أرحب، وكذلك مواصلة التنسيق والتشاور حول القضايا الدولية والإقليمية، والوصول إلى تفاهم مشترك حولها؛ وبما يسهم في تعزيز السِّلم والأمن الدوليّين.
ولعلّ من الإشارات المهمة التي تضمّنها البيان الختامي أيضاً تأكيد أهمية العمل على حماية أمن وسلامة إمدادات الطاقة عبر الممرات البحرية في منطقة الخليج العربي، ودعوة المجتمع الدولي للتعاون في تأمين الملاحة الدولية وتأمين وصول الطاقة، وهذا إنما يشير بوضوح إلى دعم الصين للجهود التي تقوم بها دولة الإمارات ودول المنطقة؛ من أجل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، والحفاظ على أمن الطاقة العالمي، باعتباره قضية لا تنفصل بأيّ حال من الأحوال عن الأمن والسِّلم الدوليّين.
الشراكة «الإماراتية – الصينية» تقدم نموذجاً ملهِماً للدول التي تسعى إلى بناء شراكات حقيقية في المستقبل، وخاصة أنها ترتكز على مجموعة من المقومات والأسس التي تضمَن تطورها باستمرار من ناحية، وتعزز مصالح الشعبَين الصديقَين من ناحية ثانية؛ أولها، الإدراك المتبادل لأهمية هذه الشراكة، وما تمثله كلّ دولة من أهمية للأخرى؛ ففي الوقت الذي تنظُر فيه دولة الإمارات إلى الصين باعتبارها شريكاً استراتيجياً وطرفاً أساسياً في معادلة تحقيق الانتعاش الاقتصادي والاستقرار في محيطيَها الإقليمي والدولي، فإن دولة الإمارات تحظى بأهمية خاصة في الاستراتيجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط؛ بالنظر إلى ما تقوم به من دور فاعل في إرساء أسُس الأمن والاستقرار في المنطقة. ثانيها، مردود هذه الشراكة يتجاوز الدولتَين، ليشمل المنطقة والعالم؛ بالنظر إلى ما تقوم به الدولتان من أدوار إنسانية وسياسية وإنمائية تستهدف في جوهرها تعزيز أسس الأمن والاستقرار والتنمية على الصعيدَين الإقليمي والدولي. ثالثها، الطموح والتخطيط البعيد المدى لمستقبل هذه الشراكة؛ فإذا كانت الدولتان تحتفلان هذا العام بمرور خمسة وثلاثين عاماً على بناء العلاقات الدبلوماسية بينهما، فإنهما – كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، تضعان بصمات خريطة طريق لـ 100 سنة قادمة، تعزز فيها الدولتان من شراكتهما الاستراتيجية، وتفتحان آفاقاً واعدة وجديدة؛ من شأنها تحقيق طموحات وتطلعات الشعبَين الصديقَين. رابعها، ما تمثله الدولتان من منظومة قيم إيجابية وإنسانية؛ مثل التسامح والسلام والتآخي والتواصل مع الآخر والتعايش بين الثقافات والحضارات والأديان، كما أنهما تمتلكان تاريخاً عريقاً وموروثاً حضارياً مشرقاً يعطي زخماً لعلاقاتهما الثنائية؛ فتاريخ العلاقات بين الدولتَين بدأ مع أجدادنا العرب، ويمتد إلى آلاف السنين. خامسها، الأهداف المشتركة التي تؤمن بها الدولتان وتعملان على تحقيقها سواء في الداخل أو الخارج، وفي مقدمتها التنمية المستدامة والنمو والازدهار والاستقرار، والعمل على نشر التسامح والحوار والانفتاح على الثقافات المختلفة، ومدّ جسور التعاون والتواصل مع المجتمع الدولي، والتمسك بمبادئ الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعاون والتفاهم المشترك؛ وهي منظومة الأهداف التي تؤسِّس لعالم يتحقق فيه الرخاء، ويسوده الأمن والاستقرار لجميع الشعوب.

Share