تقارير وتحليلات.. الإنفاق الاستهلاكي في الإمارات.. المؤشرات والدلالات

  • 5 سبتمبر 2019

عادة ما يعكس حجم إنفاق الأفراد الاستهلاكي الخاص على الخدمات، والسلع المعمرة كالسيارات والأثاث، وغير المعمرة كالمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، مجموعة من الدلالات الخاصة بالقدرة الشرائية للفرد، وميوله الاستهلاكية، وحاجاته المرتبطة بمواسم محدَّدة، كالسياحة والتعليم وغيرهما؛ الأمر الذي يحمل في طياته جوانب إيجابية، وأخرى سلبية، على حدّ سواء.
تحمل البيانات الأخيرة، الصادرة عن الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء، حول الإنفاق الاستهلاكي للفرد في دولة الإمارات العربية المتحدة، العديد من الدلالات الإيجابية التي تطال عجلة الاقتصاد الوطني، وتسهم في حركته وتقدمه؛ حيث ارتفع نصيب الفرد من الإنفاق الاستهلاكي الخاص في عام 2019 إلى نحو 63 ألف درهم، بزيادة نسبتها 14.1% على عام 2018؛ ليرتفع بذلك معدل متوسط الإنفاق الشهري للفرد إلى 5250 درهماً مقارنة بـ 4600 درهم خلال فترة المقارنة نفسها.
وتحمل هذه الأرقام دلالات حول زيادة القدرة الشرائية للفرد في دولة الإمارات، وتشي كذلك بحركة دؤوبة للسوق، وبأن حركة العملات مستمرة لا تتوقف؛ ما يعني أن الاقتصاد الوطني يعيش حالة من الانتعاش، ويبتعد عن أي مهدّدات للركود الذي تعانيه كثير من الدول، وخاصة أن المؤسسات الاقتصادية الدولية تواصل الحث على المحافظة على السلوك الاستهلاكي؛ لأثره الإيجابي في التنمية الاقتصادية، مع توجيهه نحو السلع والخدمات المحلية؛ بصفته مسهماً حقيقياً في تحفيز النمو الوطني.
ولكن على الجهة المقابلة يشير ارتفاع معدلات الإنفاق الاستهلاكي الخاص للفرد إلى مجموعة من المؤشرات؛ كارتفاع أسعار السلع والخدمات، الناتج عن ارتفاع الطلب؛ ما يشكل عبئاً على المستهلكين بسبب ضرورة تلبية حاجاتهم الأساسية تحديداً، كتلك المرتبطة بموسم العودة إلى المدارس، أو مواسم الأعياد والعطلات. كما يحذر خبراء ومتخصصون من أن النزعة الاستهلاكية التفاخرية قد تكون أحد المسبّبات التي تدفع المستهلكين إلى الشراء بشكل غير مدروس؛ وهو ما يدفع إلى تلاشي توجهاتهم نحو الادخار، ويأخذهم باتجاه زيادة المصروفات، التي قد تتطلَّب منهم لاحقاً البحث عن مخارج لتلبية هذه الاحتياجات، كالاقتراض والاستدانة.
وبالعودة إلى الجانب المضيء من ارتفاع حجم الاستهلاك الفردي الخاص؛ فإن الإنفاق الاستهلاكي للفررد عادة ما يمثّل الجزء الأكبر من الاقتصادات المتقدمة؛ انطلاقاً من أن الدخل المتاح للمستهلك هو عامل رئيسي في دعم النمو الاقتصادي واستقراره وطنياً؛ فارتفاع الإنفاق يعني غالباً ارتفاع معدل دخل المواطنين، وهو مؤشر إلى رفاهيتهم وزيادة قدرتهم على تلبية حاجاتهم بيسر وسهولة أكبر؛ الأمر الذي يعني نجاح الاستراتيجيات الوطنية الهادفة إلى تحسين جودة الحياة، وحماية الاقتصاد الوطني من التقلُّبات، وضمان نموه بشكل متواصل؛ فكلما زاد دخل الفرد زاد إنفاقه على السلع والخدمات، ودَعَم ذلك أرباح القطاع الخاص ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الفردي الخاص كذلك إلى دلالات إيجابية أخرى؛ كتدني معدلات الفقر والبطالة، وحماية الاقتصاد الوطني من الانكماش والركود؛ نتيجة ارتفاع الطلب الكلي على السلع والخدمات؛ الأمر الذي يخلق أسواقاً جديدة، ويحرك نمو مؤسسات القطاع الخاص وتوسعها، ويعظّم إيرادات الدولة؛ ليصبح الإنفاق الاستهلاكي مؤشراً في المحصلة إلى تزايد ثقة المستثمرين والمستهلكين بالاقتصاد الوطني؛ وهو ما ينسجم مع النظرية الاقتصادية (الكينزية) القائلة إن تحفيز الإنفاق، الخاص والعام، ينهي الركود، ويدعم النمو.
وهذه المؤشرات الداعمة للاقتصاد الوطني تستوجب الحفاظ عليها وتنميتها بشكل مستمر، إلا أنه من الضروري التوقف عند مسألة في غاية الأهمية، وهي الحد من النزعة الاستهلاكية التفاخرية التي تتحول إلى ثقافة سلبية، تؤدي بالمحصلة إلى تفشّي ثقافة الاقتراض لتلبية هذا الاستهلاك؛ نتيجة عدم موازنة الفرد بين إيراداته ومصروفاته؛ ما يترتب عليه تحديات اجتماعية واقتصادية، تستوجب التنبُّه إلى ضرورة ترشيد الاستهلاك بعيداً عن الإسراف والبذخ؛ حتى يتمكن الفرد من تحقيق معدلات أعلى للادخار، تمكّنه من التأسيس لأعمال خاصة به، تدرُّ عليه الربح، وتجعله قادراً على المساهمة في المنظومة التنموية الشاملة للدولة، وتحوله إلى اتباع سياسات الادخار، بصفتها أحد المؤشرات إلى كفاءة الأداء الاقتصادي؛ لكونها تعكس مستوى السيولة الكافية في القنوات البنكية، والقدرة على توجيهها إلى استثمارات ذات قيمة مضافة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات