تقارير وتحليلات:الاحتجاجات تعود إلى شوارع إيران من جديد

  • 19 يناير 2020

عادت الاحتجاجات والتظاهرات لتتصدر المشهد في إيران بعد أن كانت حدتها قد تراجعت بعد مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، وما تلاه من تداعيات داخلية وإقليمية ودولية شغلت الشعب الإيراني، ومنحت السلطات فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى محاولة تلميع صورة النظام وتصويره قائداً لملحمة «الصمود في وجه قوى الاستكبار ومحور مقاومة الاستعمار».
لكن، وكما بدا واضحاً خلال الأيام الماضية، فقد كان رماد الاحتجاجات في إيران يخفي تحته جمراً ما زال متوقّداً، لتشكل حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية التي أقلعت من مطار طهران في الوقت الذي كانت فيه إيران تقصف قاعدة عين الأسد في العراق ردّاً على اغتيال سليماني، ما يشبه هبة الهواء التي نثرت الرماد الساكن، وأعادت تأجيج نار التظاهرات والاحتجاجات في العديد من المدن والمحافظات الإيرانية.
الصاروخ الذي أطلقه جندي إيراني عن «غير وعي» ظنّاً منه أنه سيسقِط صاروخاً أمريكياً دفاعاً عن سيادة إيران، أصاب طائرة كانت تحمل على متنها 176 راكباً قضوا جميعهم في الحادثة وتبين لاحقاً أن غالبيتهم من الإيرانيين أو حاملي جنسيات دول أخرى من أصل إيراني؛ ما أعاد فتح أبواب الغضب والضغط على النظام الإيراني على مصراعيها وعلى المستويين الداخلي والخارجي، وأجهض كل محاولات التلميع والتجميل التي بُذلت خلال الفترة ما بين قتل سليماني وإسقاط الطائرة.
تسلسل الأحداث منذ انتفاضة البنزين التي اندلعت في إيران، منذ منتصف شهر نوفمبر الماضي؛ احتجاجاً على رفع أسعار الوقود، يشير إلى أن الغضب الكامن في صدور الإيرانيين تجاه سياسات النظام قد بلغ أوجه، خصوصاً في ظل استمرار العزلة الدولية للبلاد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، واستمرار طهران في إنفاق نسبة كبيرة من عائداتها الاقتصادية على حروب النظام العبثية وأحلامه في التوسع والنفوذ ودعم عملائه ومواليه، وأن كل محاولات قمعه لن تجدي نفعاً، وأن عليه أن يعيد النظر في سياساته، وأن يحترم الإرادة الشعبية والقوانين والمواثيق الدولية حتى يتم الخروج من المأزق الحالي والعودة بإيران إلى عضوية المجتمع الدولي.
موجة احتجاجات جديدة وأكثر اتساعاً اندلعت في العديد من المدن الإيرانية منذ بداية الأسبوع الماضي، استنكاراً لحادثة إسقاط الطائرة، واحتجاجاً على حالة التخبط والارتباك التي عاشتها البلاد منذ واقعة قصف قاعدة عين الأسد، لكن أجهزة الأمن الإيرانية واصلت انتهاج ممارساتها في قمع المحتجين باستخدام القوة المفرطة، وهو ما أكدته مقاطع فيديو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وأظهرت قيامها بإطلاق الأعيرة النارية على المتظاهرين في طهران، وصورت بركاً من الدماء على الأرض ومصابين يحملهم آخرون، وكذلك عمليات اعتقال للكثير من المشاركين في التجمعات والتظاهرات.
اللافت للنظر في هذه الموجة هو التغير الكبير الذي طرأ على خطاب المحتجين وشعاراتهم، بشكل يغاير تماماً المضامين التقليدية للتظاهرات، والتي كانت تُجمع في السابق على تأكيد العداء المطلق للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كمبدأ أساسي في العقيدة الإيرانية، وتنطلق بعد ذلك إلى الغايات الأخرى، كانتقاد سياسات النظام ورفض بعض الإجراءات أو القوانين أو المطالبة بتوفير أو تطوير خدمات معينة، غير أنها تجاوزت في هذه المرة المحظورات كافة؛ ومن ذلك تمزيق صور مرشد الثورة علي خامنئي وصور الجنرال قاسم سليماني، واعتبار أنّ النظام الحاكم هو العدو الأول لإيران والمناداة بإسقاطه، ورفض الدوس على العلمين الأمريكي والإسرائيلي.
الضغوط على طهران تتواصل وتتعاظم أيضاً على الصعيد الخارجي؛ فالولايات المتحدة ما زالت تمارس حملة الضغط الأقصى اقتصادياً وسياسياً، وتدعم وتساند التظاهرات في الداخل، فيما تدعو بريطانيا إلى توحيد الجهود الدولية في التعامل معها، وتواصل كل من كندا وأوكرانيا حشد جهود الدول المتضررة من كارثة إسقاط الطائرة وتحريضها على السعي إلى إيقاع أقصى العقوبات الدولية على إيران، وهو ما يتطلّب منها تغييراً حقيقياً في نهجها، وتعاوناً مخلصاً مع محيطها الإقليمي؛ لتتمكن من تجاوز المأزق وتلافي تبِعاته الخطيرة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات