تفكك جديد في البلقان؟!

د. جون بروني: تفكك جديد في البلقان؟!

  • 13 فبراير 2008

يحبس العالم أنفاسه في انتظار الإعلان المتوقع من جانب واحد عن استقلال إقليم كوسوفو، والذي يُنتظر حدوثه يوم السابع عشر أو الثامن عشر من شهر فبراير/شباط 2008. ومن المرجح أن يكون لهذا الحدث تداعياته المختلفة، ليس فقط في صربيا، الدولة التي يتبعها هذا الإقليم حالياً، ولكن أيضاً في روسيا، التي تحاول استخدام موقفها الحازم الجديد لإيقاف ما تعتبره تدخلاً غربياً سافراً في منطقة تمثل تاريخياً "الفناء الخلفي الاستراتيجي" لها.

 لقد عُرفت حقبة التسعينيات من القرن الماضي بأنها مرحلة سلام على المستوى الاستراتيجي؛ فالحرب الباردة كانت قد انتهت، وأصبح الاتحاد السوفيتي وجمهوريات أوروبا الشرقية التابعة له شيئاً من الماضي، غير أن الأراضي اليوغوسلافية الكائنة في الركن الجنوبي الشرقي من أوروبا علقت في حالة من الصراعات العرقية والمذهبية أشبه ما تكون بصراع الحياة والموت، ففي العام 1991 شعرت الدويلات الصغيرة غير الصربية أن ثمة فرصة كبيرة متاحة للخروج من تحت نطاق السيطرة الصربية، واستغلتها بالفعل. بيد أن إعادة رسم خريطة يوغوسلافيا بالقوة كلف كثيراً من الأرواح والأموال؛ فخلال هذا العقد من الزمن أزهقت هذه الحروب أرواح ما يزيد عن 150,000 شخص، كما تسببت في نزوح وتشريد أكثر من مليون إنسان آخر وتدمير كثير من المدن و القرى التاريخية.

 نجحت يوغوسلافيا، ذات العرقيات والديانات المتعددة، والوريث الشرعي للإمبراطورية النمساوية-الهنغارية السابقة، في الحفاظ على وحدتها لمدة خمسة وثلاثين عاماً تحت الحكم الشيوعي الديكتاتوري للمارشال الكرواتي الأصل "جوزيف بروز تيتو" (1945- 1980). وخلال سنوات الحرب الباردة هذه كانت بلجراد تمثل باستمرار شوكة في خاصرة موسكو، وكانت تتباهى دائماً بأنها تنتهج خطاً مستقلاً عن الدول الأرثوذوكسية الأخرى التابعة للكرملين. غير أن التحركات التي قادها الزعيم الصربي "سلوبدان ميلوسيفتش" لإعادة بعث وإحياء الهوية القومية الصربية خلال ثمانينيات القرن الماضي ساعدت كثيراً في إطلاق العنان للطموحات القومية الخاصة بالأقليات غير الصربية الموجودة داخل حدود يوغوسلافيا، مما أدى إلى تفكك الاتحاد اليوغسلافي الهش المكون أساساً من إثنيات متعددة وغير متجانسة.

 وبالرغم من الدعم المادي والمعنوي الثابت الذي قدمته حكومة الرئيس الروسي "بوريس يلتسن" لصربيا خلال عقد التسعينيات، إلا أن روسيا لم تكن تمتلك القوة أو النفوذ الاستراتيجي المطلوب لمساعدة بلغراد في الصراع الدموي الذي خاضته لاستعادة سيطرتها على المناطق والأقاليم التي خرجت من تحت هذه السيطرة. والحقيقة أن روسيا الأم، الحليف التاريخي السلافي العتيد لصربيا، كانت تعاني هي الأخرى من العديد من المشكلات والتحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سعت جاهدة خلال هذه الفترة إلى الخروج منها، ومن بينها الصراع الذي خاضته هي نفسها مع المجموعات الإثنية الانفصالية في منطقة القوقاز.

 لقد تجسدت آخر الصراعات العسكرية الرئيسية التي خاضها الصرب في منطقة البلقان في الحرب التي شهدها إقليم كوسوفو عام 1999. فهذا الإقليم الذي طالما اعتبره الصرب المهد الذي ولدت فيه الأمة الصربية، هو ذاته الأرض التي تقطنها غالبية ألبانية وتقع في الجنوب الغربي من صربيا. وفي العصور الوسطى كان هذا الإقليم جزءاً لا يتجزأ من منطقة النفوذ الصربي في البلقان، وفي عام 1389 وقعت في مناطق كوسوفو معارك ملحمية بين العثمانيين واتحاد عدة جيوش أوروبية بقيادة صربية كان الهدف منها هو وقف الامتداد العثماني المتزايد في المنطقة، وأصبحت هذه الملحمة تشكل جوهر الأسطورة الصربية وحجر الأساس في القومية الصربية الحديثة، رغم أن معارك كوسوفو انتهت بهزيمة استراتيجية للجيوش الأوروبية التي قادها الصرب، مما ترك الإقليم يخضع بالكامل لرحمة العثمانيين. وقد سعت الإدارة العثمانية للإقليم في ذلك الوقت إلى تغيير تركيبته الإثنية من خلال مساعدة المسلمين الألبان على التوطن والاستقرار في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى تحول الصرب إلى أقلية إثنية. واستمر الحال على ما هو عليه حتى عام 1912 عندما تمكنت مملكة الصرب من استعادة سيطرتها على إقليم كوسوفو مرة أخرى من الحكم العثماني، و لكن في ذلك الوقت كان الألبان يشكلون الأكثرية الغالبة من سكان الإقليم.

 وقد تشكلت رغبة دولية للسماح لألبان كوسوفو بإعلان دولتهم المستقلة منذ حرب العام 1999 بين كوسوفو وصربيا، والتي انتهت بهدنة هشة وتسوية سياسية غير مستقرة وغير مقنعة بين بلغراد وبريشتينا؛ حيث مكنت هذه الهدنة ألبان كوسوفو من البقاء داخل صربيا ولكن تحت حماية دولية بحضور ومراقبة قوات حفظ السلام التابعة لحلف الناتو. وكان من المتوقع أنه بمجرد الإعلان عن استقلال كوسوفو، التي لا يتجاوز عدد سكانها المليوني نسمة، أنها ستحظى باعتراف وترحيب أكثر من مئة دولة بانضمامها إلى مجتمع الأمم.

 إن رفض الصرب لهذا الاستقلال شيء متوقع تماماً، ولكن من غير الواضح ما هو الشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الرفض، فمن المعروف أن حكومة صربيا الجديدة بقيادة "بوريس تاديتش" ذات ميول غربية ولديها رغبة معلنة في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وأي حرب قد تشنها صربيا ضد كوسوفو يمكن أن تنهي آمالها في الانضمام المبكر للاتحاد الأوربي. وبالتالي فمن غير المحتمل، ما لم يحدث شيء غير متوقع تماماً، أن تخاطر الحكومة الصربية بجميع علاقاتها الدولية واقتصادها الآخذ في التحسن من أجل الاستمرار في فرض سيطرتها على إقليم قلق وغير مستقر، لها فيه القليل من التحكم الفعلي. غير أنه من المتوقع، وبحسب مسار الأحداث، أن يرفض المجتمع الصربي القوي داخل كوسوفو، والذي يضم نحو مائة ألف شخص، الاعتراف بسلطة بريشتينا عليهم، وقد يتجسد عدم اعترافهم في الإعلان بدورهم عن استقلالهم عن إقليم كوسوفو المستقل حديثاً. كما أن كثيراً من التجمعات الصربية الموجودة داخل كوسوفو يعيشون في مناطق جغرافية قريبة تماماً من الوجود الصربي الخالص في صربيا، ويمكنهم الحصول على دعم فاعل من المجموعات الصربية القومية ذات التنظيم الجيد، وقد يحدث ذلك دون تدخل مباشر من جانب الحكومة الصربية في بلغراد.

إذا حدث هذا السيناريو، فستتضح طبيعة الموقف أو التوجه الذي يمكن أن تتخذه حكومة بوتين، وما إذا كانت ستعتبر استقلال كوسوفو مجرد زوبعة في فنجان، أم أنه شيء أبعد وأعمق وأخطر من ذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كثيراً من القوميين الصرب كانوا قد وجهوا كثيراً من النقد اللاذع إلى موسكو بسبب ضعف الدعم الذي قدمته لصربيا خلال حقبة التسعينيات، وهم يتطلعون إلى القيادة الجديدة والحازمة في الكرملين لتقديم مزيد من الدعم الدبلوماسي وربما حتى العسكري لهم في المرحلة القادمة. ومن المحتمل تماماً أن تسعى موسكو إلى عرض مسألة استقلال إقليم كوسوفو على مجلس الأمن بهدف قطع الطريق على بريشتينا من المراهنة على هذا الاستقلال.

 ولكن هل تفشل هذه المناورة الدبلوماسية من جانب روسيا؟ قد يلجأ بوتين إلى التهديد بتعطيل إمدادات النفط والغاز الطبيعي إلى أوروبا كوسيلة لإضفاء مزيد من الضغط على العواصم الأوروبية الرئيسية، لاسيما لندن وباريس وبرلين، بهدف الحد من دعمهم لبريشتينا. كما تبقى إمكانية تصعيد الموقف مطروحة بقوة؛ فالمرتزقة أو المتطوعون الروس يمكنهم إيجاد طرق مناسبة وفعالة لتقديم الدعم للمجموعات الصربية شبة العسكرية للدفاع عن الأقليات الصربية المستقرة داخل كوسوفو، لاسيما إذا قامت هذه الأقليات بإعلان استقلالها عن كوسوفو. وهذا التدخل، إذا حدث، سيسرع التوجه نحو إعادة تفعيل العمليات العسكرية لمليشيات كوسوفو ذات التشكيل الإثني والمسماة "جيش تحرير كوسوفو"، وهي مجموعة معروف عنها ممارسة أنواع خاصة من العنف. ومع وجود نحو 17,000 فرد من قوات حفظ السلام التابعة لحلف الناتو داخل كوسوفو، فإن هذا الوضع سيكون غير مرغوب فيه وخطيراً للغاية؛ فحلف الناتو يعاني حالياً الأمرين في أفغانستان، وحدوث كارثة جديدة داخل أراضي القارة الأوروبية في إقليم كوسوفو سيفاقم الموقف ويزيد من حدة الأعباء الملقاة على عاتق الحلف في مناطق آسيا الوسطى.

 وبطبيعة الحال، فإن جميع هذه التصورات مبنية على تكهنات صرفة. فقد يتمكن الرئيس الصربي "تاديتش" من فرض سيطرتة على مجرى الأحداث على أرض الواقع، ومن المحتمل أن تؤدي الرغبة الواضحة لدى صفوة المجتمع الصربي في تطبيع العلاقات الصربية مع المجتمع الدولي إلى التحكم في اندفاعة الصرب نحو خوض حروب جديدة أو حتى تقديم الدعم والتشجيع بأي وسيلة للقوميين الصرب المتشددين. ومن المحتمل أيضاً ألا يجد الرئيس الروسي بوتين أي خيار غير قبول الواقع باعتباره أمراً محتوماً لابد منه، ولا يجد أمامه سوى القبول بكوسوفو المستقلة من أجل تجنب تعريض علاقاته مع المجتمع الدولي لمزيد من الخطر. ولكن إذا كان للتاريخ أي دور في هذه المسألة، فإنه سيكون من الصعب تماماً التحكم بسلوك القوميين الصرب، كما أن ثوابت السياسة الروسية فيما يتعلق بهذا الشأن تمنح موسكو فرصة ذهبية لتثبت للقوى الغربية أنها لم تعد تلك القوة التي يمكن إهمالها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات