تفجيرات لندن: الانعكاسات الاستراتيجية

د. كينيث كاتزمان: تفجيرات لندن .. الانعكاسات الاستراتيجية

  • 26 يوليو 2005

قوّضت التفجيرات التي حدثت في لندن يومي السابع والحادي والعشرين من يوليو/تموز 2005 ركنين أساسيين من أركان استراتيجية الولايات المتحدة وبريطانيا في الحرب ضد الإرهاب. وأول هذين الركنين ما درج الرئيس الأمريكي جورج بوش، وغيره من كبار المسؤولين الأمريكيين، على التأكيد عليه في أحاديثهم من أن "واشنطن يجب أن تحارب الإرهابيين في العالمين العربي والإسلامي، لكي تحول دون نقل عملياتهم الإرهابية إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية". وقد تزايدت وتيرة الإشارة إلى هذا الدافع باعتباره السبب الرئيس للحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، في ظل بطلان المبررات الأخرى، والتي تتلخص في الزعم بأن صدام حسين امتلك برنامجاً فعالاً لأسلحة الدمار الشامل، وأنه أقام علاقات بتنظيم القاعدة.

 ويبدو أن تلك الاستراتيجية تفترض وجود تيار محدود من "الجهاديين الإسلاميين" ينجذب بالضرورة نحو ميدان المعركة الإقليمية الرئيسة التي يرى فيها معركة شاملة لوضع حد للنفوذ الغربي في العالمين العربي والإسلامي. ومع ذلك، توجد شواهد كثيرة على أن هناك مدداً كافياً من المتطوعين لقتال الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها داخل المنطقة نفسها أو داخل الدول الغربية، وأن هؤلاء المتطوعين لا يرون أنه يمكن الاكتفاء بالقتال في أحد الميدانين فقط دون الآخر.

 وتدل الشواهد التي لوحظت خلال الأشهر القليلة الماضية على أن بعض "الجهاديين الإسلاميين" قد تحركوا من أوروبا إلى العراق للمشاركة في المعركة إلى جانب المتمردين العراقيين، كما عاد بعضهم من العراق إلى أوطانهم الأصلية أو إلى أوروبا للتخطيط لهجمات إرهابية أو لتنفيذها. ويرى جهاديو القاعدة وأنصارهم أنهم يخوضون حرباً مشروعة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، كما أنهم لا يفرقون بين الهجوم على المدنيين الأبرياء في شوارع العواصم الغربية أو مهاجمة العرب الشيعة في شوارع بغداد.

 إن الدلائل المتزايدة على أن تدخل الولايات المتحدة وحلفائها في العالمين العربي والإسلامي يوسّع دائرة النشطاء القادرين على شن هجماتهم على الغرب نفسه تدعو إلى المزيد من القلق. وقد ذكر عدد من المنظمات الرئيسة الإسلامية في بريطانيا، مثل "مجلس مسلمي بريطانيا" و"المفوضية الإسلامية لحقوق الإنسان" أن تفجيرات لندن تدل على غضب متزايد في أوساط المسلمين في بريطانيا ضد قرار الحكومة البريطانية بالمشاركة في الحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة في العراق.

 كما أشارت تعليقات منشورة، كتبها بعض معارف الانتحاريين الذي شاركوا في تفجيرات السابع من يوليو/تموز، إلى أن بعض هؤلاء الانتحاريين تحولوا إلى "جهاديين" أساساً بسب القرار البريطاني بالمشاركة في التدخل في العراق.

 وبافتراض أن هذه التقارير والتخمينات صحيحة، وأنها تثبت بصفة عامة اتجاهات سائدة في بريطانيا وفي الغرب كله، فإن هذا يعتبر مؤشراً على أن الحرب في العراق زادت تهديدات "الجهاديين الإسلاميين" ضد الغرب بدلاً من الحد منها.

 الركن الرئيس الثاني لاستراتيجية إدارة بوش والذي قوضته تفجيرات لندن هو افتراض أن التعجيل بالتحول الديمقراطي في العالمين العربي والإسلامي هو مفتاح هزيمة "الجهاديين الإسلاميين" في المدى الطويل. فالمتهمون بالتفجيرات، كما تدل معظم التقارير، مسلمون بريطانيون بالميلاد، على الرغم من احتمال ضلوع القاعدة أو مناصري القاعدة خارج بريطانيا في تلك العمليات. وبما أن بريطانيا دولة ديمقراطية، فإن المتورطين بالتفجيرات لا يمكن ان يكونوا مدفوعين بسبب انعدام الديمقراطية فيها. كما أن طموحاتهم السياسية والاقتصادية، داخل بريطانيا نفسها، يمكن تحقيقها، على الأقل نظرياً، إذا اختاروا سبلاً لتحقيقها في إطار العملية السياسية الديمقراطية البريطانية. وكذلك لم يتعرض هؤلاء الأشخاص للقمع أو المضايقة، أو الحرمان من فرص العمل بواسطة الحكومة البريطانية. كما أن بريطانيا ليست الدولة الغربية الأقل تسامحاً مع حرية التعبير، بل على العكس فإن الإصوليين الإسلاميين الذين يعيشون فيها يتمتعون بحرية كبيرة. فمناصرو القاعدة العلنيون، أبو قتادة، وأبو حمزة المصري، وعمر بكري محمد ظلوا يعيشون في بريطانيا (رغم أن إجراءات قضائية تتخذ الآن ضد "أبو قتادة" و "أبو حمزة المصري")، مع السماح لهم بانتقاد السياسة البريطانية علناً وعلى رؤوس الأشهاد، بل سُمح لأبي حمزة بتنظيم ذكرى سنوية (احتفال) لهجمات 11 سبتمبر/أيلول. ويكاد يكون يقيناً أن أمثال هؤلاء ما كان سيسمح لهم بالبقاء، ناهيك عن الاستمرار في توجيه الانتقادات علناً، في الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

 كما لم يظهر أي دليل على صحة ما رددته بعض التقارير عن استياء مفجري القنابل مما اُعتبر "سياسات بريطانية تهدف إلى إبقاء الزعماء الاستبداديين في كراسي الحكم في منطقة الشرق الأوسط". فربما يتجه هذا الاستياء إلى الولايات المتحدة، وهي قوة عظمى يسود الاعتقاد في منطقة الشرق الأوسط بأنها مصدر كل المخرجات السياسية فيها. ولكن لم تُنسب مثل هذه القوة إلى بريطانيا على الرغم من كونها شريكاً للولايات المتحدة في معظم سياساتها الشرق أوسطية.

 هذا ما يقودنا إلى مناقشة الانعكاسات الأوسع والأعمق لتفجيرات لندن. وهنا يُطرح السؤال عما إذا كان يلوح في الأفق "صراع حضارات" أم لا بين الإسلام والغرب. حتى هذه اللحظة، لم تسفر هجمات 11 سبتمبر/أيلول أو تفجيرات مدريد أو لندن، عن عنف شعبي واسع النطاق ضد المسلمين في هذه الدول أو غيرها من الدول الغربية.

 وبطبيعة الحال، تم اتخاذ بعض الإجراءات القانونية مثل "قانون الوطني الأمريكي" (the Patriot Act) في الولايات المتحدة، والذي استهدف منح السلطات القانونية صلاحيات أكبر للتدخل في الحريات المدنية، في محاولات الكشف عن أي خلايا إرهابية محتملة. وبتوفير هذه الصلاحيات الجديدة بدأت السلطات القانونية تركز جُلّ اهتمامها على العرب والمسلمين الذين توقعوا هذه النتيجة وتحسبوا لها مسبقاً. ولكن أياً كان الأمر، وبصفة عامة حتى الآن لم يُنظر إلى هذه الإجراءات القانونية على أنها تعسفية.

 ومن المنطقي أن يتوقع المرء في حال استمرار الهجمات الانتحارية وغيرها من أعمال الإرهاب المتدثر بالإسلام في العالم الغربي أن تزداد الضغوط الشعبية لاتخاذ إجراءات أشد قسوة. وربما يقرر معظم السكان غير المسلمين في الغرب، وحكوماتهم في وقت ما، أن التسامح قد استنفد. ولعل من الصعوبة بمكان معرفة الخطوات التي ستُتّخذ، غير أن بعض الخيارات التي طُرحت للنقاش في صفحات الرأي تضمنت إجراء تغييرات قانونية تسمح باعتقالات واسعة النطاق، بل وربما الإبعاد من الدولة.

 ورغم أن كثيراً من الناس يعتقدون أن إجراءات مثل هذه من شأنها أن تضعف القيم الديمقراطية التي تعتبر مقدسة في الغرب، فإن من الصعب كذلك استبعاد احتمال أن الكثيرين أيضا مستعدون للتخلي عن بعض حقوقهم وبعض قيمهم في حال تفاقم المخاوف الأمنية وعدم ظهور بديل للحل.

Share