تفجيرات تستهدف العودة بالعراق إلى الوراء

  • 9 أغسطس 2009

منذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق،‮ ‬نهاية شهر‮ ‬يونيو الماضي،‮ ‬وأعمال العنف تأخذ منحى تصاعدياً‮ ‬حاداً،‮ ‬يؤشر إلى أن الوضع الأمني‮ ‬سيشكّل التحدّي‮ ‬الأبرز الذي‮ ‬سيواجه الحكومة العراقية في‮ ‬الفترة المقبلة،‮ ‬ليس لأنه‮ ‬يعدّ‮ ‬تحدّياً‮ ‬مباشراً‮ ‬لقدرة الأمن العراقي‮ ‬على إثبات ذاته في‮ ‬هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ العراق فقط،‮ ‬بل لأن الوضع الأمني‮ ‬يرتبط بقضايا مصيرية تهمّ‮ ‬الشعب العراقي،‮ سواء لعلاقته بالوضع السياسي‮ ‬وبجهود المصالحة الشاملة أو بجهود إعادة الإعمار أيضاً‮.‬

تفجيرات أول من أمس،‮ ‬التي‮ ‬أسفرت عن مقتل‮ ‬36‮ ‬شخصاً‮ ‬على الأقل،‮ ‬وإصابة ما‮ ‬يزيد على 100 ‬شخص نتيجة استهداف تجمّعات للشيعة،‮ ‬تعدّ‮ ‬الأكبر منذ أسابيع،‮ ‬وتأتي‮ ‬بعد تفجيرات مماثلة وقعت الأسبوع الماضي،‮ ‬وأسفرت عن مقتل‮ ‬30‮ ‬شخصاً‮ ‬وإصابة العشرات‮. ‬ما‮ ‬يلفت الانتباه في‮ ‬هذه التفجيرات أنها تحاول إثارة الصّراع الطائفي‮ ‬بين مختلف مكوّنات الشعب العراقي،‮ ‬سنّة وشيعة ومسيحيين،‮ ‬وكرداً‮ ‬وعرباً‮ ‬وتركماناً،‮ ‬إذ إنها لا تستهدف التجمّعات الشيعية فحسب،‮ ‬بل تستهدف المساجد والكنائس أيضاً،‮ ‬كما أنها لا تقتصر على العاصمة العراقية‮ (‬بغداد‮)‬،‮ ‬بل تطال مختلف المدن العراقية،‮ ‬ما‮ ‬يعني‮ ‬معها أنها تحاول إعطاء الانطباع بأن العراق‮ ‬يشهد حالة من الفوضى،‮ ‬وأن قوات الأمن‮ ‬غير قادرة على حفظ الأمن والاستقرار في‮ ‬البلاد،‮ ‬كما تريد القوى التي‮ ‬تقف وراءها أن تثبت أنها ما زالت موجودة،‮ ‬ولديها القدرة على التأثير في‮ ‬مجرى الأحداث على الساحة العراقية‮.‬

لا شكّ‮ ‬في‮ ‬أن تصاعد وتيرة أعمال العنف بهذا الشكل،‮ ‬لتشمل مكوّنات الشعب العراقي‮ ‬كله،‮ ‬ولتطال معظم المناطق فيه،‮ ‬هي‮ ‬أخطر التحدّيات التي‮ ‬تواجه العراق في‮ ‬الوقت الحالي،‮ ‬وتستهدف العودة بالعراق إلى الوراء؛ لأن تفجير الوضع الطائفي‮ ‬في‮ ‬العراق،‮ ‬فوق أنه‮ ‬ينال من أساسين لازمين لسيادته،‮ ‬هما‮: ‬التعايش بين الفئات والطّوائف والأعراق المختلفة من ناحية،‮ ‬وتماسك الدولة ووحدة أراضيها من ناحية ثانية،‮ ‬فإنه‮ ‬يشكّل نافذة‮ ‬يمكن من خلالها أن تتدخّل القوى الخارجية في‮ ‬الشأن العراقي‮ ‬أيضاً،‮ ‬وتحاول التأثير في‮ ‬الأوضاع فيه لمصلحة فئات معيّنة‮.‬

إلى ذلك،‮ ‬فإن الوضع الأمني‮ ‬المتدهور،‮ ‬على خلفيّة هذه التفجيرات الطائفية،‮ ‬واستمرار الخلافات بين بعض القوى السياسية،‮ ‬خاصّة مع استعداداتها لخوض الانتخابات النيابية في‮ ‬يناير المقبل،‮ ‬سيشكّل قيداً‮ ‬على إتمام جهود المصالحة السياسية في‮ ‬البلاد،‮ ‬وهذا ما تدركه قوى التطرّف والإرهاب،‮ ‬التي‮‬تسعى إلى تفجير الساحة العراقية،‮ ‬ليس لتعميق هذه الخلافات وحسب بل لجرّ‮ ‬البلاد إلى الأجواء الخطرة التي‮ ‬شهدتها قبل عامين أيضاً،‮ ‬وكانت فيها على شفا الحرب الأهلية‮. ‬كما أن عودة أعمال العنف بهذا الشكل المتصاعد ستؤثر أيضاً‮ ‬بالسلب في‮ ‬جهود إعادة الإعمار هناك؛ إذ إنها تشكّل بيئة طاردة لأي‮ ‬استثمارات خارجية،‮ ‬خاصّة أنها تستهدف في‮ ‬كثير من الأحيان البنية الأساسية في‮ ‬مجالي‮ ‬النفط والكهرباء،‮ ‬كما تستهدف إمدادات النقل إلى أماكن المشروعات الجديدة في‮ ‬العراق‮.‬

إذا كان الوضع الأمني‮ ‬في‮ ‬العراق لا‮ ‬ينفصل عن الأوضاع السياسية والاقتصادية،‮ ‬فإن هذا‮ ‬يفرض على مختلف القوى السياسية والدينية هناك الوحدة معاً‮ ‬لمواجهة قوى التطرّف والإرهاب التي‮ ‬تحاول العودة بالعراق إلى الوراء‮.‬

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات