تفجيرات الهند والتحديات الأمنية المتجددة

  • 27 أغسطس 2003

سلسلة التفجيرات التي تعرضت لها مدينة بومباي الهندية أمس الأول وأسفرت عن مقتل نحو 46 شخصاً، تؤكد الحاجة إلى تعاون وتكاتف دولي لمواجهة تفشي الإرهاب، كما تؤكد أيضاً صعوبة اضطلاع دولة بمفردها بمواجهة هذه الظاهرة السرطانية المعقدة. والجانب الأخطر في تفجيرات بومباي ليس فقط في كونها استهدفت العصب الاقتصادي للهند، ممثلاً في هذه المدينة الحيوية، ولكن أيضاً لأن هذه التفجيرات تضر بالنسيج الاجتماعي والديمجرافي لدولة يبلغ تعداد سكانها نحو 1.2 مليار نسمة، فهذه التفجيرات تغذي التوترات القائمة سواء في العلاقة مع باكستان أو بين المسلمين والهندوس، فضلاً عن أن هذه التفجيرات تتنافى بشكل مطلق مع أفكار ومبادئ التسامح التي دعا إليها الزعيم التاريخي المهاتما غاندي، وهو من وضع أسس الدولة الهندية الحديثة استناداً إلى واجهة التسامح الديني والعرقي، كما أن هذه التفجيرات تعيد إلى الذاكرة مأساة العنف الطائفي التي راح ضحيتها نحو 2000 شخص عام 1992. والمؤكد كذلك أن تفجيرات بومباي تطرح تحدياً داخلياً إضافياً أمام حكومة القوميين الهندوس.

ورغم الحرب "الكلامية" التي اندلعت بين مسؤولين هنود وباكستانيين، على خلفية تلك التفجيرات، فإن الأهم هو البحث عن المدبر الحقيقي الذي يقف وراء عمليات كهذه، ولا سيما أن باكستان لا تقل معاناة عن الهند من حيث مواجهة خطر العنف والإرهاب الداخلي. ورغم أن أجواء العلاقات السياسية لا تخلو تماماً من غيوم مرشحة لأن تمطر أزمات جديدة، فإن تفادي الاتهامات والتعاطي الجاد مع الخطر المشترك الذي يواجه البلدين يسهم في بناء أرضية تعاون قوي في مواجهة التنظيمات الراديكالية التي تعمل بدرجة أو بأخرى على تأجيج الصراع بين الجارتين النوويتين.

وإذا كانت العلاقات الهندية- الباكستانية قد شهدت خلال الفترة الأخيرة تحسناً ملموساً ارتكز بالأساس على بعض الإشارات الدبلوماسية الإيجابية، مثل استئناف العلاقات الثنائية فضلاً عن نشاط الدبلوماسية البرلمانية التي يمكن أن تلعب دوراً مؤثراً كرافعة استراتيجية مهمة لعودة الروح في العلاقات المتوترة بين الدولتين، فإن هذه العلاقات بحاجة إلى مزيد من التنسيق من أجل مواجهة الأخطار المشتركة، وهو هدف يصعب تحقيقه في ظل أجواء التهديد بالحرب والاتهامات المتبادلة، فلا شيء يمكن أن يحقق لحكومتي البلدين أهدافهما المتعلقة بضرب الإرهاب سوى مزيد من التعاون في هذا المجال، فخطوة كهذه من شأنها منع التطرف والمتطرفين من اختطاف السياسات وارتهان الأمن والاستقرار لتحقيق طموحاتهم وأحلامهم الإجرامية، فاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر قد أثبتت أن ممارسي الإرهاب باتوا على درجة عالية من التعليم والخبرة، والأهم أنهم يذوبون داخل المجتمعات ويمارسون الطقوس ذاتها لأفراد المجتمع بحيث لم تعد أجهزة أمن دولة بمفردها – مهما عظمت إمكاناتها البشرية والتكنولوجية- قادرة فعلياً على ملاحقة الديناميكية المتغيرة للإرهاب الدولي ما لم تحظ بتعاون من الآخرين، وإذا كان هناك اختلاف في تحديد مفهوم الإرهاب، فليس هناك بالطبع اختلاف حول مخاطره الهائلة ونتائجه السلبية الخطيرة على الأفراد والمجتمعات.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات