تفجيرات إيران.. هل هي حوادث عرضية أم استهداف مبَرمَج؟

  • 15 يوليو 2020

تفتح سلسلة التفجيرات والحرائق، التي شهدها العديد من المنشآت الحيوية والمواقع الحساسة في إيران خلال الأسبوعين الأخيرين، الباب على مصراعيه للتكهُّنات والتحليلات الأمنية والسياسية التي تختلط بين الحين والآخر ببعض التسريبات من مصادر مختلفة، بعضها بقصد التفسير وإيضاح الصورة، وبعضها الآخر بغرض زيادة المشهد غموضاً وتعقيداً.

 ما زالت السلطات في إيران تعيش حالة من الصدمة والحرج والعجز عن تقديم تفسيرات مقنعة لثمانية انفجارات وحرائق غامضة، شهدتها مواقع نووية وصاروخية في مختلف أنحاء البلاد، يُفترَض أنها محاطة بأعلى درجات الحماية ضدّ أي محاولات اختراق، وأخرى خدماتية، صحيح أنها لا تكتسب أهمية استراتيجية أو أمنية كبيرة؛ لكنَّ الوصول إليها يعني القدرة على العبث في أي مكان من الأراضي الإيرانية، وفي أي وقت.

بداية مسلسل الأحداث كانت بالانفجار الكبير الذي هزَّ موقع خوجير لتصنيع المتفجرات العسكرية واختبارها بمنطقة بارشين للصناعات الدفاعية في جبال البُرز، التي تبعد نحو 20 كيلومتراً شرق طهران، تلاه بعد أربعة أيام انفجار ضخم هزَّ مركزاً طبياً شمال العاصمة، وأسفر عن مقتل أكثر من 19 شخصاً وإصابة آخرين بجراح؛ لتأتي بعده الضربة الموجعة ممثلةً بالانفجار الذي وقع في منشأة نطنز النووية بالقرب من مدينة أصفهان وسط إيران، وألحق أضراراً فادحة بأجهزة تدخل في صناعة أجهزة الطرد المركزي وتطويرها؛ وعطَّل ما لا يقل عن 50% من قدرات الموقع الإنتاجية؛ لتتبعه بعد ذلك مجموعة من الحوادث المتسارعة أثارت المخاوف في الشارع الإيراني، وعزَّزت التكهنات التي تقول إنها أحداث مدبَّرة ومخطَّط لها.

مراوغة إيران، وعدم تقديمها إجابة واضحة حول أسباب التفجيرات ودوافعها والجهات التي تقف وراءها، ينطويان على أحد أمرين: الأول هو أن هذه التفجيرات تمت بأساليب وتقنيات متطورة للغاية لم تستطِع طهران حتى الآن تحليلها أو فك شفراتها. والثاني هو أنها تلقفت الرسالة المقصودة من وراء التفجيرات، ولا تريد الكشف عن المزيد من المعلومات حولها؛ بهدف توظيفها سياسياً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وكذلك لتجنُّب الحرج الذي قد تقع فيه أمام الشعب الإيراني الذي سيطالبها بالرد والثأر لكرامته.

وتشير التحليلات والقراءات كافة على أرض الواقع إلى أن هناك أيادي معروفة وغير خفيَّة تقف وراء هذه الحوادث، وتستهدف منها تحقيق هدفين: أولهما تعطيل البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتأخيرهما. وثانيهما زعزعة الثقة بالحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية لدى الشارع الإيراني، وإظهار عجزها عن حماية أكثر المنشآت أهميةً وحساسيةً، وإرسال رسالة إلى القادة الإيرانيين بأن هذه الأيدي قادرة على الوصول إلى عمق بلادهم؛ وبالتالي فإن الأفضل هو دخول بيت الطاعة، والانخراط في مسار التفاوض بعيداً عن أوهام القوة والقدرة على المواجهة.

ومعظم المحللين والمتابعين ذهبوا إلى القول إن هذه الحوادث لم تخرج عن تدبير أمريكي-إسرائيلي مشترك، مستندين إلى حوادث وعمليات مشابهة تمت في الماضي، ومن بينها هجمات سيبرانية واستهدافات أمنية ضد البرنامج النووي الإيراني؛ وذلك في إطار مساعي الحليفين إلى تقليم أظفار إيران، وتكثيف الضغوط عليها، واستنزافها أمنياً إلى جانب الاستنزاف الاقتصادي الذي تعانيه نتيجة الحصار؛ إضافة إلى منعها، تحت أي ظرف، من امتلاك السلاح النووي، خصوصاً أن الحسابات الأوروبية المتابِعة للملف النووي الإيراني تشير إلى أن طهران قادرة على تصنيع قنبلة نووية «بدائية»، على شاكلة القنبلة الكورية الشمالية، في غضون ستة أشهر، في حال استمرت قدراتها على التخصيب كما هي؛ لأنها ستتمكَّن خلال هذه الفترة من امتلاك كمية اليورانيوم الصافي الضرورية لإنتاج هذا السلاح.

الأنظار الآن وبعد كل هذه الحوادث تتجه نحو طهران، وترقب رد فعلها الذي قد يكون من خلال وكلائها وحلفائها في العراق وجنوب لبنان واليمن وقطاع غزة، أو ربما يتأخر ويتعطَّل بانتظار عرض لصفقة أمريكية تتطلع إليها إيران، أو نتائج الانتخابات الأمريكية التي تشير استطلاعاتها حتى الآن إلى تراجع دونالد ترامب بانتظار خروجه من البيت الأبيض، وبالتالي بدء سياسة جديدة قد تحمل إلى إيران التغيير الذي تحلم به.

Share