تفاقم مأزق إيران وأتباعها في المنطقة

  • 17 مايو 2018

تواجه إيران وأتباعها في المنطقة الآن مأزقاً غير مسبوق على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، فقرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الأسبوع الماضي، وإعادة فرض العقوبات عليها، وفرض عقوبات على ذراعها الإرهابية )حزب الله( اللبناني، وقرار دولة الإمارات العربية المتحدة، في سياق التعاون المشترك للدول الأعضاء في مركز مكافحة تمويل الإرهاب الدولي بالرياض، فرض عقوبات اقتصادية على قيادات في الحزب، وقرار المملكة العربية السعودية إدراج عشر من قياداته في قائمة الإرهاب، كلها تؤكد مدى المأزق الذي تعيشه إيران وأذرعها وأتباعها؛ فهذه القرارات لم تشكل ضربة حاسمة لطموحاتها إلى الهيمنة والتوسع في المنطقة فقط، وإنما كشفت عن طبيعة «الخطر الإيراني » على الأمن والسلم الإقليميين والدوليين أيضاً، بما يتضمنه من سياسات عدائية تقف وراء صراعات المنطقة المختلفة، ومواقف سلبية تعقِّد الأزمات والقضايا العربية. ولا شك في أن إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، أول من أمس، أن واشنطن ستعمل على تأسيس تحالف دولي ضد إيران سيفاقم من هذا المأزق.

ولا شك أن إيران، التي تعيش الآن حالة من التخبُّط والارتباك، هي المسؤولة عن هذا المأزق؛ فهي منذ أن وقعت الاتفاق النووي عام 2015 لم تتصرف كدولة مسؤولة في محيطها الإقليمي، وسعت إلى فرض هيمنتها على دول المنطقة، وأضاعت مليارات الدولارات على تسليح ميليشيات وجماعات إرهابية تخدم مشروعها التوسعي في المنطقة، من دون أي اعتبار لمبادئ السيادة الوطنية وحسن الجوار، وهذا كله جعلها وأتباعها يعيشون في أزمات معقدة ومركبة، على الصعد كافة؛ فاقتصادياً؛ من المتوقع أن تتزايد متاعب إيران خلال الفترة المقبلة في ظل التوقعات التي تشير إلى أن العقود التي أبرمتها مع الكثير من الشركات الدولية، وخاصة الأوروبية، التي تقدَّر بمليارات الدولارات في مجالات النفط والغاز والطيران والبنى التحتية، ستتأثر بالعقوبات الأمريكية الجديدة، ولاسيما أن إدارة الرئيس ترامب تبدو مصمِّمة على إحكام الحظر النفطي والمالي عليها في الفترة المقبلة، وتضييق الخناق الاقتصادي عليها، وعزلها عن النظام المالي العالمي، وتقليص قدرتها على تنفيذ صفقات مالية أو تجارية مع معظم دول العالم؛ في إطار ممارسة مزيد من الضغوط عليها لإعادة التفاوض حول اتفاق نووي جديد يعالج الثغرات السابقة، ويحول دون تطويرها سلاحاً نووياً. وسياسياً؛ فإن عزلة إيران وأتباعها، على الصعيدين الإقليمي والدولي، تتعمق يوماً بعد الآخر، بعدما تأكد للجميع مسؤوليتهم عن حالة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، فضلاً عن استمرار تدخلاتها السلبية في شؤون الكثير من دول المنطقة، ولعل إقدام المملكة المغربية على قطع العلاقات الدبلوماسية معها قبل أيام مؤشر واضح إلى ذلك، بل إن الأذرع والميليشيات الإرهابية التابعة لها باتت الآن أكثر انكشافاً من أي وقت مضى، بعد أن اتضح أنها ليست سوى أداة ضمن مشروع طهران للهيمنة على المنطقة؛ ولهذا فإن خسارتها ستتضاعف خلال الفترة المقبلة، ولعل الهزائم الفادحة التي منيت بها ميليشيا الحوثي الانقلابية في اليمن في الآونة الأخيرة، وتصاعد الضغوط والعقوبات الإقليمية والدولية على حزب الله اللبناني، يؤكدان ذلك بوضوح، ويشيران إلى أن إيران قد تعيد النظر في علاقاتها بهذه الميليشيات، وربما تتوقف مؤقتاً عن دعمها لتفادي الضغوط الإقليمية والدولية التي تتعرض لها. واستراتيجياً؛ فإن قدرة إيران على الاحتفاظ بنفوذها في الكثير من الدول العربية، كسوريا واليمن ولبنان والعراق، باتت على المحك؛ لأن هناك توافقاً إقليمياً ودولياً على رفض وجودها في هذه الدول، بل مطالبتها بسحب ميليشياتها وأذرعها، ولعل الضربات الإسرائيلية المكثفة ضد الكثير من الأهداف الإيرانية في سوريا خلال الأيام الماضية، والإدانة الدولية المتزايدة للصواريخ )الإيرانية الصنع( التي تطلقها ميليشيا الحوثي الإرهابية تجاه الأراضي السعودية، والعقوبات المفروضة على حزب الله اللبناني، كلها معطيات تكشف بوضوح عن تفاقم مأزق إيران وحلفائها في المنطقة.

إن المأزق المعقد، الذي تواجهه إيران وحلفاؤها الآن، يجعل خياراتها محدودة في مواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة؛ فإما تتصرف كدولة مسؤولة في محيطها الإقليمي، وتتوقف عن مشروعها التوسعي في المنطقة، وعن دعم الأذرع والميليشيات الإرهابية التابعة لها، وتقبل التفاوض على اتفاق جديد أكثر شمولية يحظى بتوافق دول المنطقة، وإما تسير في طريق المناورة والمراوغة والتحايل نفسه، غير عابئة بمتطلبات شعبها في التنمية والرخاء والازدهار، ولا بالالتزام بمبادئ حسن الجوار وإعادة بناء الثقة مع دول المنطقة؛ الكرة الآن في ملعب إيران وأتباعها، وعليها أن تختار بين الاندماج في محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي، أو المضيِّ قدماً في طريق الانتحار.

Share