تفاقم الخلافات بين الولايات المتحدة والصين.. السياق والسيناريوهات

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين توتراً جديداً بعد إغلاق القنصليات المتبادَل؛ وسط خلافات متفاقمة بشأن قضايا ثنائية في مقدمتها التجارة و«كورونا»، وملفات دولية كثيرة؛ وهو ما يلقي بظلال من الشك على مستقبل العلاقات بين البلدين.
يأتي أحدث تصعيد لتوتر العلاقات بين البلدين بعد أن أغلقت الحكومة الأمريكية القنصلية الصينية في هيوستن بولاية تكساس؛ وهي واحدة من خمس قنصليات في الولايات المتحدة، من دون أن تقدم أسباباً واضحة لذلك؛ ولكنها أشارت إلى أعمال غير طبيعية، منها عمليات تجسس. واتسم ردُّ الصين على هذا الإجراء بالغضب، وعدَّت الأسباب التي ساقتها الولايات المتحدة «سخيفة بشكل لا يصدَّق»؛ ومن باب المعاملة بالمثل أغلقت بكين القنصلية الأمريكية في مدينة شينغدو الواقعة جنوب غرب البلاد. والحقيقة أن هذا التصعيد يأتي في سياق أوسع؛ حيث تتفاقم الخلافات بين البلدين حول ملفات عدَّة على مستويات ثنائية ودولية؛ فثنائياً لا يزال البلدان عالقين في حرب تجارية منذ عام 2018، حيث تتهم واشنطن الصين منذ فترة طويلة باستخدام ممارسات تجارية غير عادلة. وبرغم المفاوضات ومحاولات حل الخلافات التجارية، وتوقيع اتفاق «المرحلة الأولى»، فإن الطرفين لم يتوصلا بعدُ إلى اتفاق شامل لحل كل الخلافات التجارية. كما تتهم واشنطن الصين بسرقة الملكية الفكرية الأمريكية؛ ما تسبب في فقدان مئات الآلاف من الوظائف. وفي السياق نفسه أصبحت شركة «هواوي» الصينية العملاقة محوراً للخلافات التجارية أيضاً؛ حيث تتهمها واشنطن بسرقة أسرار تجارية أمريكية؛ بل حذرت من أن الصين قد تستخدم الشركة لأغراض التجسس على مستوى عالمي.
كما وجهت الولايات المتحدة إلى بكين انتقادات شديدة بسبب تعاملها مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ حيث حمَّل مسؤولون أمريكيون الصين مسؤولية انتشار الوباء على مستوى العالم؛ بل ذهب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أبعد من ذلك عندما قال إن مصدر الفيروس هو أحد المختبرات الصينية؛ بالطبع من دون تقديم أدلة على ذلك، وسماه «الفيروس الصيني».
كما توجد خلافات فيما يتعلق بملفات إقليمية ودولية متعددة، مثل هونغ كونغ، خاصة بعد فرض السلطات الصينية قانوناً جديداً للأمن القومي في الجزيرة التي تتمتع بوضع خاص منذ عودتها إلى الصين عام 1997؛ وقد عدَّت واشنطن والعديد من الدول الأوروبية هذا الإجراء خطةً تستهدف قمع الحريات الفردية؛ ولهذا ردَّت واشنطن بإلغاء المعاملة الاقتصادية التفضيلية للمنطقة، ووقَّع ترامب قانوناً لفرض عقوبات على المسؤولين الذين يقمعون الحقوق؛ ليزيد كل هذا من توتر العلاقات بين البلدين. وهناك بالطبع الخلاف التاريخي بسبب تايوان؛ حيث تعدُّها الصين جزءاً لا يتجزأ منها؛ بينما تحظى الجزيرة بدعم من الولايات المتحدة في مجالات مختلفة، من بينها الدعم العسكري الذي يثير حفيظة الصين بشدة.
ويضاف إلى ذلك التوترُ في بحر الصين الجنوبي؛ حيث تطالب دول المنطقة بحقوقها في البحر؛ بينما ترى الصين أنها صاحبة السيادة الكاملة عليه؛ وهو أمر مرتبط برغبة بكين في الهيمنة على واحدة من أكثر المناطق أهميةً اقتصادياً واستراتيجياً للولايات المتحدة في العالم؛ وهو ما ترفضه واشنطن بقوة.
وهناك خلافات حول قضايا أخرى منها قضية الأقلية المسلمة «الإيغور»؛ حيث تتهم واشنطن بكين بانتهاك حقوق أبناء هذه الأقلية بشكل صارخ.
وبالطبع تتهم الصين الولايات المتحدة بـ «التدخل السافر» في شؤونها الداخلية، وهناك تصور لدى بكين أن الولايات المتحدة تحاول كبح صعودها بصفتها قوة اقتصادية عالمية؛ بسبب قدرتها على منافسة أمريكا بصفتها أكبر قوة اقتصادية في العالم مع وجود مؤشرات إلى إمكانية أن تحل محلها في وقت أقرب من المتوقَّع.
إذاً هناك أسباب متعددة للتوتر القائم الآن بين الولايات المتحدة والصين؛ ويبدو أن الملف التجاري هو المحرك الأكبر لواشنطن في إثارتها الملفات الأخرى؛ حيث تحاول الضغط على بكين بكل السبل؛ من أجل ضمان اتفاق تجاري متكامل وفقاً لرؤية ترامب؛ وهو ما سيخدمه بالطبع في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ ولكنَّ هذا كلَّه يلقي بظلال من الشك على مستقبل العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات